خبرة العنف الإيرانية ورهاب الثورة العربية!

بعيد اندلاع المظاهرات العراقية الرامية لإسقاط الحكومة، عقدت الأخيرة اجتماعا استثنائيا لمناقشة ما يمكن فعله لخفض درجة الغضب الشعبي، كانت المفاجأةاقتحام قاسم سليماني مقر الاجتماع، وقيامه برئاسة الجلسة التي من المفترض أن يديرها رئيس الحكومة عادل عبدالهادي، ووفق وكالة اسوشيتد برس الأمريكية، فإن سليماني وصل ليلا إلى مطار بغداد، لتعليم السلطات العراقية أساليب مواجهة الاحتجاجات، قائلا لهم: إيران تعرف جيدا كيف تحارب تمردًا كهذا.

 

لم يكن الجنرال الإيراني؛ الذي يتزعم فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني،يقصد بكلامه الدور الذي لعبته مليشيات الحشد الشعبي العراقية التابعة لإيران، من تجريف للديموغرافيا العراقية، عبر التشريد والقتل بالهوية وفرض جغرافيا طائفية قائمة على أغلبية شيعية سكِنت قسرا وعلى حساب أقلية سنية بقت تحت سوط القمعبعد أن هجر أغلبها قسرا، لكن سليماني كان يشير إلى خبرات بلده في قمع الاحتجاجات التي اندلعت في إيران (بدأت في 2009 وزادت وتيرتها في نهاية 2017 وحتى يناير 2018)، والتي استخدم فيها الأمن الإيراني كل صنوف القمع والعنف والتعذيب.

 

الاجتماع الحكومي (العراقي الإيراني) إن شئنا الدقة، نتج عنه مقتل وجرح واختطاف العديد من المتظاهرين العراقيين، لقد انتقلت التجربة الإيرانية بسرعة وتحول الأمن العراقي إلى حقل تجارب للخبرات الإيرانية الأمنية، وأثبت الهبوط المفاجئ للجنرال الإيراني، على مقر الحكومة، مدى تحكم طهران بمقاليد القرار الأمني والسياسي بالعراق، وإلى أي حد تتحكم مليشيا الحشد الشيعية التي يتزعمها سليماني، بتفاصيل الحياة العراقية السياسية والأمنية، وإلا فبأي مسوغ يدير زعيم مليشيا دولة أجنبية، جلسة حكومية عراقية.

 

بعدها بفترة قصيرة حاول حزب الله استخدام “الخبرة الإيرانية” في محاولة لوأد الانتفاضة اللبنانية التي خرجت ضد فساد الحكومة، مع فارق أن مليشيا حسن نصر الله؛ المعروفة بحزب الله، لم تستخدم بعد كمية العنف الذي استخدمته عناصر الأمن العراقية، لكن الخبرة الإيرانية فشلت، والنتيجة كانت معاكسة لطهران في كلتا الدولتين، فقد تحول مسار الأحداث من احتجاجات ترفع شعارات عامة ضد الفساد، إلى ثورة ضد الجميع بما فيهم حزب الله اللبناني، بينما انفجرت الشوارع العراقية ضد إيران بشكل أكثر وضوحا.

 

لقد أربكت الثورتان؛ اللبنانية والعراقية، وكلاء إيران في بغداد وبيروت، بعد أن ظهرت طهران عارية من لبوس “التقية السياسية”، كانت هذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها مظاهرات عربية ومن عمق المناطق الشيعية، تهتف ضد عنف إيران وضد تدخلاتها، وضاقت الخيارات أمام وكلاء إيران في العراق ولبنان، ولم يعد أمامهم إلا الخروج من جلباب الطائفية أو مواجهة الشارع العربي؛ السني والشيعي معا، إما خلع “العمالة الدينية” والعودة للعمق العربي أو موالاة طهران علنا، كما فعلت مليشيا الحوثي التي زارت طهران جهارا، وأقامت علاقة رسمية معها.

 

لقد أضحى حزب الله، في ورطة حقيقية، فما الذي يمكن أن يفعله؟ فحربه مع نظام الأسد ضد الشعب السوري قطعت حبل الثقة اللبنانية به، كما أن التخفي في ثياب مقاومة إسرائيل لم يعد مناسبا له، فحكاية مقاومة تل أبيب أضحت “موضة قديمة”، استخدمها حسن نصر الله إبان الحرب اللبنانية مع إسرائيل، واتضح بعدها أنها كانت حرب النظام السوري – الإيراني مع تل أبيب، ولم يكن حزب الله سوى مؤديا لدور محدد لتقوية وضع دمشق (الإيرانية) على حساب بيروت (العربية)، وأتذكر حينها أن الرئيس السوري بشار الأسد ردد عبارة: سنقاتل حتى “آخر لبناني”. ربما خانته الذاكرة اللغوية؛ رغم مهارته فيها، لكنه أفصح عن الحقيقة المخفية، فلبنان حينها لم تكن سوى جسر لطموح الزعيم الذي يقف الآن على كرسي السلطة، ولو على دماء “آخر سوري”.

 

سليماني، الرجل الذي تجرأ على إدارة جلسة للحكومة العراقية، تفاخر بثقة ذات مرة، بأن صنعاء اليمنية، أضحت إحدى عواصم بلده، لقد بنى هذا التفاخر نتيجة لتحكم طهران ببغداد وبيروت ودمشق، لكنه الآن قد لا يمتلك تلك الثقة ليقول عبارته المليشاوية، فالشوارع العراقية واللبنانية غيرت المعادلة، إنها تهتز رفضا لملالي طهران بعد أن كانت ترتعب خوفا منهم. سليماني يعرف جيدا أن الموجة الربيعية التي تجري في بيروت وبغداد ما هي إلا امتداد لموجة سابقة ضربت صنعاء، على طهران أن تشعر بالرعب، لقد صحت على حقيقة مرة، “بعبع” إيران الذي لم تسطع الأنظمة العربية قهره، ستهزمه الشعوب وحدها، يوما ما، وما ذلك اليوم ببعيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى