حوار مع موظف يبحث عن راتبه

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: يناير 8, 2019

جلست ذات صباح في إحدى القهاوي الشهيرة احتسي قهوتي المفضلة، كان الجو باردا جدا، والناس معصوبو الرؤوس، ومدججون بالثياب الثقيلة التي تحميهم من صقيع الصباح الجميل، والجميع يفرك أصابعه ويديه ليبعث فيها الدفء.

وفجأة دخل أحدهم وجلس على طاولة مجاورة، وطلب هو الآخر قهوة، قال للنادل لتكن قهوتي ثقيلة، وجلس.

جلست أحتسي قهوتي وأنا أنظر إليه خلسة، وهو شارد الذهن، غير مكترث بذلك الصقيع ولا بما يدور حوله من ضجيج جراء دخول وخروج معتادي القهوة، وضع النادل له قهوته وانصرف، ولم يعره صاحبنا أي اهتمام، وبعد شرود طويل، مد يده إلى فنجان القهوة فقبضها بقوة، وأخذ ينفث فيها من زفيره فتتصاعد الأدخنة من فنجانه مشكلة رسومات وأشكال متناثرة على نظارته السوداء،  ، قال له أحدهم، وكأنه يعرفه، هون عليك، لاشيء يستحق أن تفكر فيه كل هذا التفكير، فالتفت إليه، وكأنه أيقظه من نوم عميق، وأخذ تنهيدة عميقة، ثم قال: لم أنم طوال الليل. لماذا؟ قال: لأني وصلت للتو من عدن. قال له: معذرة إن تطفلت عليك بأسئلتي؛  ما الذي تفعله في عدن؟ فرشف رشفة من قهوته، وألحقها بتنهيدة طويلة، ثم قال:  ذهبت لأستلم راتبي. ألم تقل الشرعية أنها ستدفع مرتبات كل موظفي الدولة؟!

وهنا أخذني الفضول؛ فدخلت في الخط، فقد كنت قريبا منهم على الطاولة المجاورة، قلت له: وهل استلمت راتبك؟ فأنا أعرف الكثير من الموظفين في مؤسسات مختلفة يستلمون مرتباتهم من عدن وهم في صنعاء. وكأنني بسؤالي هذا فتحت مواجعه التي ربما حاول إخفاءها وإن بدت ظاهرة على ملامح وجهه، وتأوهات صدره.

قال: أنا موظف في مؤسسة حكومية، وناقم على الحوثيين وتعاملاتهم غير المسئولة، وإن كنت لازلت مستمرا في وظيفتي حتى مع وجود الحوثيين، لا لشيء سوى أني أحب عملي، وآمل أن تعود الحياة من جديد، ويخضر العود الذي أذبله الحوثيون قسرا، وتعود مرتباتنا بانتظام. وبعد أكثر من سنتين من قطع مرتبي قاطعت الوظيفة،  وأخذت أراسل زملائي الذين انضموا إلى الشرعية في عدن، علهم يرسلون لي بمرتباتي، أو يقبلون أن أحل عليهم، طبعا ليس في دورهم، ولكن في المؤسسة التي عشنا سويا لسنين طوال جنبا إلى جنب في صنعاء. طلبت منهم ذلك لعلمي أن كثيرا من الموظفين الذين لازالوا يعملون مع الحوثيين في صنعاء في الجهات الأخرى غير الجهة التي أعمل فيها يستلمون مرتباتهم من عدن.

قلت له وما الذي توصلت إليه؟ قال: لم يرد علي أحد من زملائي الذين في عدن، لكني كنت أسمع أن بعضا من زملائي ممن حزم حقائبه وسافر إلى عدن لم يسمح لهم حتى بدخول بوابات مبنى المؤسسة الحكومية التي يعملون فيها، وأن زملاءهم تمنعوا من أن يشفعوا لهم عند المسئول الأول لاستيعابهم في وظائفهم، أو حتى صرف مرتباتهم. ولكني لم أصدق تلك الأخبار، وقلت حينها: ربما هي الحكايات المغرضة التي يبثها الحوثي. فقررت السفر إلى عدن لاستلام مرتبي. وهنا كانت الكارثة.

لقد وصلت عدن بعد أن كتبت لي الأقدار اجتياز كل النقاط الحوثية، فكثير من زملائي الذين سبقوني تخطفتهم المليشيات في النقاط، وسلموهم للمعتقلات، وظلوا فيها شهورا كثيرة، لكنني؛ بحمد الله؛ سلمت من ذلك، ووصلت عدن بأمان، وفي اليوم التالي ذهبت إلى مقر مؤسستي الحكومية.

لم أكن أتوقع مطلقا أن ما سمعته في صنعاء عن منع الموظفين الشماليين من دخول مقار عملهم هي حقيقة، فوجدتها.

لقد قابلت كثيرا من زملائي الذين نزلوا من صنعاء هناك، أمام البوابة، ورأيت زملاءنا الجنوبيين ممن كانوا معنا في صنعاء يرقبوننا من وراء النوافذ دون أن يعني لهم ذلك المنظر شيئا.

تكرر ذلك الفعل أياما وأسابيع، ونحن نطالبهم السماح لنا بالدخول من البوابة لمقابلة المسئول الأول دون جدوى. بينما يقول لنا الحرس في البوابة: اذهبوا يا حوثيين!

طول الفترة التي قضيناها بين الفنادق وبوابة المؤسسة أتت على كل ما كان معنا من مصاريف محدودة، الفنادق غالية، والحياة صعبة. أكثر من شهرين ونحن نحاول، دون جدوى، تنكر لنا زملاؤنا الجنوبيون، الذين أتوا بأبنائهم وأقاربهم فأحلوهم بديلا عنا في وظائفنا، وبات الجميع يعاملوننا كأننا حوثيين، أو كأننا نحن من اعتدى على جنوبهم وصادر ثرواته.

ثم التفت إلينا قائلا: كل المسئولين الذين عينهم هادي من المحافظات الجنوبية ويمارسون عملا في مؤسسات الدولة في عدن انفصاليون، وكلهم يعاملون الشماليين هناك بإهانة بالغة.

ثم قال والتنهيدة التي تخرج من صدرة تكاد تحرق كل من في المقهى: أرأيتم ما الذي حل بعبد السلام جابر الذي كان وزيرا للإعلام في حكومة الحوثيين، حينما هرب من الحوثيين ووصل الرياض؟ قال له صديقه الذي بجواره:  تقصد ذلك الاعتداء السافر الذي حصل له في السفارة اليمنية بجدة؟ قال نعم. إن ذلك الحذاء ليس عفويا من شخص عفوي، إنه مقصود، وهو رسالة لكل من تسول له نفسه مفارقة الحوثيين والانضمام للشرعية.

ثم قال: ذلك الحذاء المهين أقل وطأة علينا ونحن نتسابق كل صباح كالمتسولين أمام بوابة مؤسستنا؛ التي كانت مؤسستنا؛ ولم يسمح لنا بالدخول. وهاأنذا عدت إلى أدراجي، بعد أن توسلت صديق لي أن يرسل لي بمصاريف العودة.

قالها وعبراته تسبق كلماته، وتأوهاته كفيلة بأن تحرق كل ظالم جبار لم يحمل في نفسه ذرة رحمة لليمنيين.

عندها قلت له: اشرب قهوتك يا صديقي، فعسى الله أن يأتي بالفرج قريبا. وفارقتهما وأنا أحاول أن أخفي دموعي من سوء ماحل باليمن واليمنيين.