“حلم” الانفصال و”وهم” الوحدة!

محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: أغسطس 6, 2019

   العنصري ليس فقط ذلك “الانفصالي” الذي يطردك من مكان ما، بل أيضا ذلك “الوحدوي” الذي يجبرك على البقاء في ذات المكان، يعتقد كلا منهما “توهما” أن المكان ملكه، مع أنه لا أحد يمتلك مكان ما، حيث المكان تراكم تاريخي لأجناس مختلفة سكنته ومضت، لكنها تركت وراءها تاريخا لا يمكن محوه، ما يمتلك أي مكان هو ثقافة المجموع والتاريخ المشترك بين السكان المتعاقبين، ولا يعلم حقا كيف يتجرأ شخص ما على القول لشخص آخر: عليك أن ترحل من هنا، فهذا مكاني، أريدك ان تنفصل عني، عد من حيث أتيت، ستفقد حياتك إن بقيت، إنه نسخة متطابقة لشخص آخر يقول لك: لا تذهب من هنا، عليك أن تبقى، ستكون خائنا إن رحلت، وما يجمع بين الطرفين ليس فقط وهم امتلاك المكان، بل أيضا وهم امتلاك القوة لاستعمار المكان، ولو على حساب من يعيش فيه؛ ساكنا كان أم وافد.

 تلك هي مشكلة من يحكم عدن الآن؛ بعقلية الانفصال قسرا، وهي ذات العقلية التي حكمت عدن قبل فترة ليست بالبعيدة؛ ولكن بصيغة الوحدة، لقد مارس الطرفان نفس الآليات المتطرفة، الإقصاء والتهجير القسري والقتل العمد ونهب الممتلكات، بل يمكن القول إن متطرفي الإنفصال القسري نسخ متشابهة عن متطرفي الوحدة القسرية، ورعاة طرد مواطنين من عدن؛ بحجة أنهم شماليون، ليسوا سوى تلاميذ أوفياء لرعاة طرد مواطنين في عدن من بيوتهم؛ بحجة أنهم جنوبيين، وتؤكد كل وقائع ما حدث في عدن أخيرا أن مليشيات المجلس الانتقالي التي طردت الشماليين، ليست سوى نسخة مقلدة لقوات المخلوع صالح التي نهب بعضها بيوت الجنوبيين، فما يجمع بين صالح والانتقالي هو الثقافة العنصرية، والأخطر هو الاعتداء على المكان؛ عدن، كتاريخ وثقافة والأهم قيمة التعايش فيها.

  وإذا ما تفحصنا كمية المقالات والمنشورات التي وظفت لصالح طرد أبناء المحافظات الشمالية، والتي شكلت حماية للمتطرفين والقتلة من مليشيات الانتقالي التابع للإمارات، وقارنها ببعض المنشورات والمقالات التي وظفت ضد عملية الطرد والترحيل، لوجدنا خطابين يحملان نغما واحدا من الكلمات العنصرية والألفاظ المناطقية، لنكتشف في النهاية أن مشكلتنا الحقيقية تكمن في هذه النخب المتطرفة في الشمال والجنوب، والتي تؤدي في النهاية أدورا لا تخدم حتى فكرتي الانفصال أو الوحدة؛ كخيارين سياسيين، بقدر ما تخدم أجندات إقليمية وخارجية، تريد بقاء اليمن ملتهبا بالصراعات، في مدن جنوبية مليئة بمليشيات لا تعرف ما عوامل انتصار الانفصال، تتربص بها مليشيا موحدة في المناطق الشمالية، لا تدرك صعوبة حكم اليمن برؤيتها السلالية العائدة إلى ما قبل التاريخ.

  وإذا كان الانتصار لاستقلال الجنوب لا يمكن أن يتم عن طريق العنصرية الانفصالية التي تستخدم العنف، فان الانتصار لأبناء الشمال المعتدى عليهم والمظلومين حقا، لا يمكن أن يتم باستخدام المناطقية المضادة والعنصرية المتبادلة، واستدعاء أحقاد الماضي القريب، والتذكير بخطايا الوحدة القسرية، فالمثقف الذي يدعي الدفاع عن اليمن كله، ويستخدم عبارات مليئة بالمناطقية وشتم الجنوب كله، لا يمكن تفضيله على مثقف آخر يدعي الدفاع عن القضية الجنوبية، ويستخدم جملا مليئة بالعنصرية والمناطقية ضد الشمال وأبنائه.

 العجيب هنا أن المثقفين المتطرفين (المتعصبين الانفصاليين والوحدويين)، يعدون تأكيدا على فشل خياري الانفصال بالعنف أو الوحدة بالقوة، فلو راجعنا قائمة الأسماء العائمة في فضاء الفيس بوك وتويتر وغيرها، سنجدها خليطا من شماليين وجنوبين في كلا المعسكرين، فالذين صفقوا بعنصرية ومناطقية مقيتة لطرد الشماليين من عدن ودافعوا عن سحلهم، هم كتاب وصحفيون وسياسيون من الشمال والجنوب، والذين وقفوا بمناطقية مقيتة دفاعا عن المرحلين والمطرودين هم خليط من كتاب وصحفيين وسياسيين من الشمال والجنوب، وما يجمع بيهم هو عقلية الاقصاء والتطرف الفكري والإرهاب السياسي.

 يمكن هنا الاستدلال بهؤلاء على أن اليمن الاتحادي لا يزال هو الحل الواقعي، لجنوب لا يمكنه أن يُحكم مستقلا عن الشمال في ظل مليشيات متعددة الولاءات، ولشمال لا يمكنه أن يُحكم مستقلا بسلطة مليشاوية قهرية، تدرك النخب الجنوبية القديمة التي عاشت زمن الإحتراب الجنوبي-الجنوبي ذلك الأمر جيدا، ولذا لا نجدها مشاركة في حفلة المراهقة المتأخرة للانفصاليين الجدد، كما أن الرفض الجنوبي الشعبي والمجتمعي لجرائم طرد الشماليين والاعتداء على ممتلكاتهم بعدن، دللت على صعوبة تحقق الدعوات المناطقية في مدينة كعدن، التي تمثل نموذجا لمكان طالما اتسم بالتعايش.

 لقد صحت المليشيات الانتقالية على حقيقة واحدة، وهي أن أي انفصال بلا قيم سياسية مجرد “حلم” قد يؤدى إلى الفوضى لكنه لن يذهب إلى دولة الجنوب، وهي ذات النتيجة التي يجب أن يدركها متعصبو الوحدة القسرية، بأنها مجرد “وهم”، فاليمن المتعدد لن يجد ذاته في صيغ قسرية متطرفة، بل في كيان جامع يتسع للجميع ويوزع ثرواته للكل، ويحترم قبل ذلك كله تاريخ التعايش في الأمكنة، فلن يحكم صنعاء من لم يحترم عدن، ولن يحكم عدن من لم يحترم صنعاء، ولن تستقر كلتاهما ما لم يعد الاعتبار لبقية المدن اليمنية من غربها إلى الشرق، ومن شمالها إلى الجنوب.