حكومة المهجر الافتراضية!

محمد اللطيفي

فتحت قصة الأموال المنهوبة والتابعة للبنك المركزي اليمني بعدن، الاستفهامات مجددا حول الموقف الحكومي من المليشيا والسعودية، وتتركز تلك الاستفهامات حول ما إذا كانت هذه الحكومة؛ أو قسمها المرتبط برئيس وزرائها معين عبدالملك، لها ارتباطات مشكوك فيها في التعامل مع المليشيا الانتقالية أو شخصيات فيها، وكيف يمكن فهم استمرار تطبيعها مع العوامل التي تقف عائقا أمام استقرارها في عدن، في ظل الاعتراف الضمني بوجود مليشيا الانتقالي فيها، وما هي المبررات التي تجعلها مستمرة في الاتكاء الكامل على كل ما تريده السعودية، حتى ولو كانت ضد شرعيتها المعترف بها دوليا أو سمعتها السياسية أو حتى كرامتها الوطنية.

كانت الأموال التابعة للبنك وهي أصول مركزية لضخ خزينة الدولة، في طريقها من ميناء عدن إلى مقر البنك الرئيسي بعدن، حٌملت الأموال المقدرة من مصادر بنكية بنحو (80 مليار ريال يمني) في حاويات خاصة، لكنها ضلّت طريقها عمدا إلى جيوب المجلس الانتقالي الجنوبي، المجلس الذي أصدر بيانا قال فيه بجرأة عجيبة، إنه (استولى) على تلك الأموال البنكية من أجل التحفظ عليها فقط، في إطار تحقيق ثلاثة أهداف؛ كما هو فحوى بيانه: الحد من التضخم الحاصل في العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، وتجفيف منابع الفساد، وتصحيح مسار عمل البنك”، وهي أهداف بقدر ما تكشف عن الزيف المتعمد الذي تمارسه مليشيا الانتقالي، بقدر ما توضح حقيقة مضحكة مفادها: أن المليشيا تنهب أموال البنك بهدف إصلاح مسار عمله.

لكن السؤال المركزي المرتبط بالحكومة طبعا، له علاقة ببيان البنك المركزي، الذي أكد على أن البنك كلّف قوة أمنية تابعة للمجلس الانتقالي بحماية أمواله وإيصالها من الميناء إلى مقره الرئيسي، في بادرة عجيبة لم تحدث في تاريخ بنوك الدول ولا حكوماتها، إذ كيف يكلّف بنك ما عناصر مليشيا بمهمة حماية أموال دولة، ويتوقع من تلك العناصر المتمردة الحفاظ على الأمانة المالية، وهو سؤال طرحه مجلس النواب الذي أبدى استغرابه من تسليم أموال الدولة إلى الإنتقالي، الذي تخوض قوات الجيش معه حربا عسكرية في شبوة.

إن ما قام به البنك المركزي، يعد وفق قوانين الدول “خيانة عظمي”، يفترض أن يخضع محافظ البنك وقيادته بسببها للمحاكمة، لكن جريمة البنك هذه لا يمكن مناقشتها بعيدا عن الأداء الحكومي في التعاطي مع المجلس الانتقالي، حيث قامت الحكومة من البداية بـ”التطبيع السياسي” معه رغم كون مليشيا متمردة بقوة السلاح، حيث قررت العودة لعدن دون ضمانات حقيقية لتنفيذ اتفاق الرياض، بل ظلت الحكومة في عدن برعاية أمنية من المليشيا، معطية إياها شرعية ضمنية، ولذا لم يعد قيام البنك بتكليف مسلحي الانتقالي بحماية أمواله غريبا في هذا الإطار، وهو ما يضع الشكوك حول طريقة أداء رئيس الحكومة وفريقه الوزاري الذي رافقه طوال الفترة الماضية.

وهذا يقودنا إلى طبيعة علاقة فريق معين الحكومي بالقيادة السعودية؛ خصوصا مع السفير السعودي آل جابر، فكثير من الوقائع تؤكد أن هذا الفريق لم يعد يتحرك ضمن مهام “الشرعية الوطنية”، بل ضمن مصالح الرياض، حتى ولو كانت تلك المصالح متضادة مع الشرعية ومتعارضة مع المرجعيات الدولية المعلنة بشأن اليمن، بل حتى ضد اتفاق الرياض نفسه، فلا يوجد رئيس حكومة يتماهى مع تمدد المليشيا داخل مدن بلده، لكيلا يغضب رغبات دولة خارجية، حتى ولو كانت تلك الدولة جارة مثل السعودية.

لقد اكتفت الحكومة التي “تنام” في العاصمة السعودية منذ سنوات، بالقيام بعقد اجتماعات “افتراضية” بسبب وباء كورونا، لمناقشة كل ما يحدث في اليمن، خصوصا كوراث عدن السياسية والمالية والاقتصادية، ليصبح لنا حكومة؛ بالإضافة إلى كونها حكومة مهجر، حكومة افتراضية، وفي الحقيقة هي “افتراضية” منذ قبلت سكب كرامتها على أبواب الأمراء السعوديين، وفي غرف فنادقهم، ولا عزاء لنا نحن اليمانيون إلا المراهنة على الجنود الذين في سهول وجبال المدن اليمنية؛ شمالا و جنوبا، الذين يضحون بوقتهم وأرواحهم من أجل الأمل بوطن كريم ودولة حرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى