حسم أم استنزاف؟

محمد العبدالرحمن |

المجال: مقالات التاريخ: يناير 9, 2017

أكثر من عام والتحالف والحكومة تهدد بالحسم العسكري ، وفي كل تهديد يقوى الانقلابيون ويزدادون شراسة ، وأصبح الحسم والتحرك الحكومي – مع احترامي للجيش والمقاومة –  جرعة شهرية تنشط نهاية كل شهر ، ولكن سرعان ماتخبوا بمرور ثلاثة إلى أربعة أيام أو أسبوع كحد أقصى ، هكذا هو نشاط التحالف والحكومة في جبهات القتال ، يشعلون المواقع الأخبارية والقنوات التابعة لهم بالتقدم الكاسح في مختلف الجبهات ، ولكن سرعان ما ينقشع الغبار وتظهر الحقيقة جلية بمحافظة كل على موقعه القديم ، وكأن اتفاقات مبرمة بين الطرفين بتنفيذ مناورات شهرية ، تلتزم الأطراف بمواقعها دون أن يطغى طرف على آخر.

منذ مايقرب من عام وجبهة نهم – كما يصورها الإعلام الحكومي –  تهدد باقتحام صنعاء التي أصبحت على مرمى حجر منهم ، وتمر الأيام والأسابيع والشهور ويظل التهديد هو نفس التهديد ، وتبقى المواقع هي نفسها ، وكأنهم يقصدون تعريف الشعب اليمني بالجبال والتباب والآكام والنتوءات المنتشرة في نهم ، أو كأن خطة الحكومة اقتضت إقامة معسكرات ثابتة في تلك المواقع ، وليس لتحرير العاصمة صنعاء ورفع معاناة اليمنيين.

وهكذا الوضع في جبهة صرواح ، التي خمد أوارها بعد استشهاد البطل الشدادي ، الذي كان قد أحرز تقدما كبيرا في وقت قياسي ، سرعان ما تقهقر الجيش واندحر من مواقعه ليتيح الفرصة للانقلابيين لاستعادة مواقعهم ، والتمركز فيها كأشد ما كانوا عليه ، والذي يعتبره المراقبون والعسكريون سبة في حق الحكومة والتحالف والجيش والمقاومة ، إذ كيف بهم يتغنون بتحرير مأرب ولازالت صرواح وبعض مدن مأرب تحت سيطرة الانقلابيين.

والوضع نفسه ينسحب على جبهة شبوة التي تعد سبة أخرى في حق التحالف والحكومة الذين عجزوا عن تحرير المحافظة ، رغم إعلانهم  تحرير المحافظات الجنوبية كلها منذ فترة بعيدة ، لكنهم أبقوا على شبوة كمصدر لتهريب الأسلحة للانقلابيين من السواحل الجنوبية ، وكأنهم يريدون تطويل الحرب لا إنهائها ، والكارثة الأشد والأنكى أن القيادات العسكرية المعينة من هادي في شبوة ظلت وإلى اليوم  لا تأتمر بأوامر هادي ، وتدعم بشكل صارخ الانقلابيين ، دون تحريك ساكن من الرئيس والحكومة والتحالف ، وحتى حملة التحرير الأخيرة التي أعلنوها لتحرير شبوة تواجه كثيرا من العراقيل التي يقودها قيادات تنتمي للشرعية.

أما جبهة ميدي وحرض فهي حكاية  أخرى ،  فعلى الرغم من تواجد الجيش المدعوم من التحالف من وقت مبكر فيها ، وعلى الرغم من تضاريسها الجغرافية السهلة لتحرك الجيش ؛ إلا أن المناورات لازالت قائمة دون إحراز تقدم يذكر ، وبمقدور أي مليشيا – وليس جيش – أن يطهر  منطقة تهامة كلها وصولا إلى الحديدة  ، بإسناد طيران الأباتشي في عشية وضحاها ، لكنها الخطط العسكرية التي تضعها القيادات العليا للجيش لا أحد يعلم مرتكزاتها ، وأهدافها وغاياتها .

لست هنا في موقع الاستقلال بقدرات الجيش والمقاومة ، فلو أتيح لهم الفرصة لحسموا المعركة في وقت قياسي ، فكلهم عزيمة لا تلين ، وكلهم اكتوى بنيران الانقلابيين ، وبمقدورهم الثأر لأنفسهم ، والانتصار للوطن ، لكنها الخطط العسكرية التي ترسمها الحكومة والتحالف ، وتكبح جماح الجيش والمقاومة ، والتي كانت في مجملها خططا للاستنزاف لا للحسم   ، ذلك لأنهم يحسبون لمصالحهم أكبر مما يحسبون للوطن والانتصار له.

ولكن ربما أصبحت الحكومة والتحالف اليوم أكثر عزيمة من ذي قبل ، وربما وصلوا إلى قناعة مطلقة بضرورة الحسم العسكري ، فهاهو الجيش الوطني والمقاومة الشعبية بإسناد من التحالف يخوضون معركة تحرير الساحل الغربي في ذوباب وباب المندب والمخا ، ويحرزون تقدما كبيرا فيها ،  ويثأرون للقائدين الشهيدين السهيان والكتبي ، وزملاؤهما الذين قضوا قبل عدة أشهر ، بسبب صواريخ الانقلابيين.

صحيح تأخرت عملية تطهير الساحل الغربي كثيرا ، مما أتاح الفرصة للانقلابيين للسيطرة على مناطق التهريب لفترة كبيرة ، والحصول على أسلحة كثيرة ونوعية ، وجعلهم أكثر جرأة على استهداف السفن التابعة للتحالف ،  وتهديد  الملاحة البحرية ، فيما ظل الحكومة والتحالف خلال هذه الفترة يرقبوت الوضع دون تحريك ساكن ، وكأن الأمر لايعنيهم ، أو ربما كانوا يرون أن تحرير ذوباب والمخا هو تحرير لتعز التي لم تصلهم القناعة بعد بتحريرها.

وبقيت تعز  هي اللعنة التي لاحقت الحكومة والتحالف خلال الفترة الماضية ، فتعز  الحرة التي لم ينثن أبناؤها ، ولم تهتز أو تلين عزائمهم ،  دفعت ثمن صمودها غاليا ، وحظيت بتجاهل مفرط من الجميع ،  والخوف كل الخوف أن تترك عملية تطهير ذوباب اليوم آثارا سلبية على تعز ، إذا ما ظل التفكير القديم ملازما لدول التحالف ، واقتصرت الحملة على تطهير الموانئ والمناطق في الساحل الغربي دون أن تتجاوزها إلى تعز.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *