جلسات غريفيث للعصف الذهني

مأرب الورد

كلما شعر المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث بأن جهوده وصلت إلى طريق مسدود، إن لم نقل فشلت، كلما سارع للخطوة السهلة وهي جمع ما أمكن من الشخصيات اليمنية من الرجال والنساء وعقد معهم لقاء في عاصمة معينة لإعطاء انطباع بتحقيق تقدم سياسي وهو في الواقع عمل إعلامي وتسويقي.

تكرر هذا الأمر عدة مرات، ويبدو أنه أصبح نهجاً معتمداً للتغطية على الإخفاق في الوساطة الدبلوماسية بين فرقاء الأزمة اليمنية، وهذا ما يُفسر توالي هذه الفعاليات والتي تُعقد عندما يكون هناك فشل في جمع المعنيين على طاولة واحدة.

ومع عودة التصعيد العسكري على أكثر من جبهة وعدم قدرة غريفيث على دفع الأطراف لتنفيذ التزاماتها بموجب “اتفاق السويد”، عاد الدبلوماسي البريطاني لتكتيكه المعروف وهو دعوة عدد من الشخصيات اليمنية الحزبية والمستقلة لاجتماعات تشاورية في الأردن.

لم يعلن الرجل في بيانه السابق للاجتماعات ولا في كلمته التي ألقاها في افتتاحها الأربعاء، عن الآلية التي اختار بموجبها المدعوين ولم ينشر أسمائهم، واكتفى بالحديث عن أهداف دعوتهم وهي مساعدته على التفكير في “الخروج من عنق الزجاجة”.

الاجتماعات عبارة عن جلسات عصف ذهني كتلك التي تعقدها منظمات المجتمع المدني لزيادة عدد أنشطتها بهدف لفت انتباه الممولين بأنها تقوم بعملها وتسعى لتحقيق أهدافها المعلنة.

ليس هناك مشكلة في قيامه بهذه الفعاليات كملتقيات للنقاش وسماع رؤى اليمنيين بمختلف توجهاتهم بعيداً عن التفاوض الرسمي، ولكن المشكلة في تقديمها على أساس أنها ضرورية وتساعد في تسريع التفاوض، مع أنه دأب على القيام بها كثيراً وكانت النتيجة علاقات عامة وتسويق.

يريد غريفيث من المدعوين مساعدته “في التفكير معا حول الخطوات اللازمة للانتقال نحو إطلاق تلك العملية السياسية، التي تبحث القضايا المرتبطة بالنزاع في بلدكم.”

وكرر كلاماً معروفاً قائلاً إن اليمن موجود الآن على “مفترق طرق: إما الاتفاق على آلية شاملة لخفض التصعيد واستئناف العملية السياسية، أو الدخول في مرحلة جديدة من تصعيد أكبر وما يترتب عليه من ارتفاع عدد الضحايا وتعثر الوصول إلى طاولة المفاوضات”.

وحينما تطرق إلى الحل المتمثل في التفاوض، قال: “على الجميع تقديم التنازلات، لا يمكننا الانتظار لفترة أطول، فقد تسبب الصراع بسقوط الكثير من الضحايا وهو ما يهدد بانهيار الدولة وتفكيك النسيج الاجتماعي”. وهذا صحيح لكن لم يقل لهم ولغيرهم كيف يمكن إقناع الطرف الرافض للتنازل وهو يعرف أن المتحاربين لا يتنازلون -غالباً- لبعضهم إلا بهزيمة أحدهم أو إجباره عسكرياً على ذلك.

السلام فكرة جميلة ومثالية ولا يمكن تحقيقها عبر الطريق الذي يسلكه المبعوث ويظن أن تحقيق بعض التقدم المحدود على شكل الاتفاقات الورقية يمكن أن ينهي نزاعاً يدخل قريباً عامه السادس وله أبعاد إقليمية ودولية.

الرهان على خفض التصعيد العسكري لتحقيق التقدم المنشود لم يعد مجدياً بعد أن تحقق ذلك عدة مرات في السابق ولم ينتج عنه أو يُبنى عليه انجاز عملي، عدا تفاهمات لم تر النور رغم تجاوز الفترات الزمنية لها.

لكن المبعوث لا يزال يسوّق ذلك كما لو كان جديداً ويعتقد أن تحقق هذا الأمر سيساعد في الحفاظ على ما يسميها ب”المكاسب ويوطدها”.

والخلاصة أنه يحاول “المضي قدما في تنفيذ اتفاقية ستوكهولم من جميع جوانبها، ومع تنفيذ اتفاق الرياض أيضا بشكل واضح، ولكن لا يمكن ولا ينبغي تنفيذ هذه الاتفاقيات بمعزل عن الجهود الأوسع لإنهاء النزاع”.

وهذا يعني أنه يراوح مكانه في المربع الأول المتعثر والذي لا يبدو أنه سيشهد تغييراً مقبولاً، وليس هناك من جدوى سوى بتمسك المبعوث بالتفاؤل من أجل البقاء في منصبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى