ثورتان.. وخديعة “المصالحة الوطنية”

محمد اللطيفي

لم تمر فترة قصيرة على قيام ثورة (26) سبتمبر، التي اندلعت في (1962)، حتى بدأت المؤامرات الإقليمية بقيادة السعودية تحاك ضدها، وكان الهدف من تلك المؤامرات إجهاض نتائج الثورة، التي لم تقم فقط من أجل الجهل والظلم الإمامي، بل أيضا ضد استلاب القرار السيادي لليمن من أي تدخلات أجنبية.

لقد بذلت المملكة في البداية جهودا كبيرة، لمنع قيام الجمهورية، ولما فشلت في حماية النظام الإمامي، اتجهت بكل إمكانياتها للعمل في اليمن على مسارين متوازيين ومتكاملين، الأول لدعم الجمهورية الناشئة، بهدف احتوائها، والثاني تكوين لوبي إمامي داخل الصف الجمهوري.

كان لا بد من تهيئة الملعب السياسي لتحقيق الهدف السعودي في مرمى الجمهورية، وكان الطريق لاختراق الجمهورية وتطعيمها بالاماميين، يمر عبر تبني دعوات “المصالحة الوطنية” بين الجمهوريين والاماميين، وقد جندت المملكة وقتها صف طويل من “النخب الانتهازية الملونة”، للتسويق والدفاع عن هذه المصالحة، باعتبارها المنقذ الوحيد لمركب الجمهورية من الغرق في لج الحروب الأهلية.

نجح مخطط “المصالحة” في تمرير “اللوبي الامامي” إلى عمق المؤسسات الجمهورية الحديثة، والذي أضحى يعرف فيما بعد بـ”اللوبي الهاشمي”، وهو اللوبي الذي ظل كمسمار جحا داخل كيان دولة الجمهورية العربية اليمنية ثم دولة الجمهورية اليمنية، ونخر كالسوس أغلب مكاسب الجمهورية السبتمبرية.

مثّل نظام علي صالح، فرصة ثمينة لتمكين “اللوبي الهاشمي” من التغلغل في عمق نظام الدولة،، واستطاع احتكار المناصب السيادية في مؤسسات السلطة؛ خصوصا الجيش والقضاء، لدرجة يمكن معها القول: أن اليمن خلال الثلاثة العقود الماضية، كانت تدار من قبل “حكومة خفية”، جل أعضائها من اللوبي الامامي.

لقد توصل اليمنيون إلى هذه الحقيقة المؤلمة، بعد “33” سنة من عمر نظام صالح، ويعود الفضل لثورة (11فبراير)، التي كشفت هذا الغطاء تماما، فبعد اندلاعها بثلاث سنوات، انقلبت كل مؤسسات السلطة ضد “الشرعية التوافقية”، وسُلّمت تلك المؤسسات العسكرية والأمنية والمحلية والمالية نفسها لجماعة الحوثي الامامية السلالية.

كيف حدث هذا؟ .. لقد كرر التاريخ نفسه، بنفس الأدوات ونفس الأفكار، وكأننا لا نقرأ التاريخ ولا نستفيد من عبره، فبعد اندلاع ثورة فبراير في (2011)، تدخلت السعودية بمبادرة خليجية، أنقذت نظام صالح من الاندثار، وتعالت الأصوات النخبوية حينها، من داخل صف الثورة، لضرورة التصالح مع النظام، بدون شروط واقعية، منح المخلوع صالح الحصانة من العقاب، وأعطي نظامه نصف الحكومة التوافقية.

بالتوازي مع بقاء نظام صالح في الحكم، سمح للحوثي أن يدخل مؤتمر الحوار الوطني من دون نزع سلاحه، وتمدد بعدها في خارطة شمال الشمال بتواطوء من قوى إقليمية وصمت من قوى محلية، وكان الهدف اضعاف القوى السياسية والعسكرية التي أعلنت ولائها لثورة فبراير.

نفذ تحالف مليشيا الحوثي والمخلوع، انقلابا على الشرعية، وخرج بعدها عن مسار سكته المرسوم له، لتشن عليه عاصفة حزم خليجية، انتهت بإعادته لخارطته الجغرافية، بعدها تفرغ التحالف السعودي الإماراتي لتنفيذ خطة تقويض الشرعية، عبر المليشيات المضادة، في عدن ومناطق الجنوب، والساحل الغربي للحديدة وتعز.

حاليا، وبعد كل هذه الأحداث التي تكرر نفسها في زمنين (ما بعد سبتمبر 1962، وما بعد فبراير 2011)، ورغم أن الهزائم أيضا تتشابه، والداعم أيضا واحد؛ السعودية، تعود للواجهة ذات الدعوة المريبة؛ “المصالحة الوطنية”، بهدف الالتفاف على الجمهورية الثانية المنبثقة من ثورة فبراير.

تتطوع للتسويق لهذه المصالحة، نخب انتهازية داخل الشرعية، وشخصيات نفعية داخل حزب الاصلاح، والهدف: التقارب بين مؤتمر صالح أومؤتمر الامارات وبين الإصلاح، مع أن كل الوقائع والقرائن تؤكد أن هذا المؤتمر لا يمكن أن يكون جزءا من أي حل، بل هو المشكلة برمتها، فكل المصائب التي حلت باليمن، كان هو المتسبب بها، ابتداء من توفير الغطاء السياسى لجرائم صالح في السلطة، ومرورا بمشاركة مليشيا الحوثي كل جرائمها منذ الانقلاب، وانتهاء بمشاركة الامارات ومليشياتها جرائمها في اليمن.. ولا ننسى طابور الفاسدين داخل صف الشرعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى