تفكيك الشرعية من الداخل!

محمد اللطيفي

 

المتابع لأداء هيئة رئاسة مجلس النواب، خصوصا في التعاطي مع انقلاب سقطرى وما بعده من أحداث، سيجد أن هذه الهيئة تتحرك وكأنها منظمة محايدة، لدرجة أنك تقرأ خبرا مفاده: هيئة مجلس النواب تقود وساطة بين الحكومة والمجلس الإنتقالي، بهدف المساعدة في تنفيذ اتفاق الرياض، وكأن هذه الهيئة ليست جزءا من كيان الشرعية، وهو خبر مضحك يدفع المتابع للسخرية، بل والتعجب من حالة التناقض التي تمارسها قيادات المجلس النيابي، التي استجوبت رئيس ووزراء الحكومة على خلفية سيطرة مليشيا الانتقالي على سقطرى ونهبها أموال البنك المركزي بعدن، ثم تقوم بعدها بدور الوسيط بين تلك المليشيا وبين الحكومة.

لكن التمعن في السير الذاتية لرئيس وأعضاء هيئة رئاسة مجلس النواب، سيجد أنهم جزر متصادمة، وكل واحد يسبح في فلك دولة ما، خصوصا إذا ما عرفنا من هو سلطان البركاني! وكيف يريد أن يلعب مع جميع الأطراف لصالح حلم أن تشكل له رئاسة المجلس النيابي طريقا لرئاسة بلد بكامله، ومع ذلك فإن هذه الهيئة النيابية؛ التي هي بالأساس هيئة دستورية رقابية، تخلت عن مهمتها في مراقبة سلوك الحكومة وضبط أدائها، وفضلت التحول إلى وسيط ميّسر لصالح المملكة.

في الحقيقة ليست وحدها هيئة المجلس النيابي من تؤدي مهاما ليست منوطة بها، بل أيضا كل الجهات الرسمية المنضوية في إطار “الشرعية”، فرئاسة الحكومة تلعب أدوارا مخالفة لطبيعة وجودها، وقريبة مما صرح به رئيس الوزراء معين عبد الملك؛ بعد تعيينه، من أن حكومته لا علاقة لها بالسياسة، مع أن السياسة؛ أو إدارة السياسة، هي المهمة الأولى والرئيسية لأي حكومة في العالم، وفضلت حكومة معين العمل خلف ‘ظل’ السفير السعودي لدى اليمن؛ الذي يوصف بالمحرك الحقيقي لقرارات الحكومة.

وفي ظل حكومة لا تشتغل بالسياسة ومجلس نواب معطل لدور الرقابة الدستورية، فإن الهيئة الاستشارية التابعة للرئاسة، والتي تضم مجموعة من مستشاري الرئيس هادي، تتحرك بنفس العقلية، مع ملاحظة أنها هيئة غير متجانسة، ولا تتفق رؤاها في التعاطي مع القضايا السياسية الراهنة، ويمكن ملاحظ ذلك من خلال تصريحاتهم عن عن ما حدث بسقطرى وقبله عدن، ولكل مستشار وصفه الخاص للمجلس الإنتقالي، وللداعم الرسمي له؛ الإمارات.

هذه الثلاث الهيئات(هيئة رئاسة مجلس النواب وهيئة رئاسة مجلس الوزراء والهيئة الاستشارية التابعة للرئيس هادي)، تعمل في الواقع كجزر منعزلة، وتقوم تلك الهيئات؛ أو رؤسائها، بلقاء سفراء الدول العشر، بشكل منفصل، بل ويقدمون وجهات نظر غير متجانسة للسفراء الدوليين عن طبيعة ماحدث في عدن وسقطرى وأبين، وكأنهم يقولون وجهات نظرهم عن أحداث تدور في بلد آخر، وليس في اليمن التي من المفترض أنهم يمثلونها ويعبرون عن سيادتها وسمعتها.

لقد نجحت السعودية في تفكيك الشرعية من الداخل، وتحويلها إلى مجموعة كيانات، يتنافس رؤساء تلك الكيانات في تقديم الولاء للرياض، وكل رئيس كيان يحاول تقديم نفسه للكفيل السعودي على أنه الأفضل لها وليس لليمن، ويمكن ملاحظة كيف تحدث هؤلاء الرؤساء للسفير البريطاني، وظهروا بموقف غير موحد من قضيتهم الأم؛ اليمن، باستثناء اتفاقهم على تبرئة السعودية مما تفعل في اليمن.

إن المتمعن في اتفاق الرياض الموقع في نوفمبر (2019)، سيجد أن الاتفاق تعامل مع الشرعية ككيانين منفصلين، الرئاسة والحكومة، وأعطى لكل منهما صلاحيات، ولاحظنا كيف كان أداء الرئاسة والحكومة، غير منسجم، خلال فترة ما بعد الاتفاق وحتى الآن، وهذا ما أدى إلى حدوث إنشطار سياسي داخل الحكومة حول طريقة تعامل رئاسة الوزراء مع المجلس الانتقالي، كما أن طريقة أداء رئيس مجلس النواب مع الأحداث السابقة، زادت من حجم الانقسامات داخل المجلس؛ لدرجة عدم القدرة على الخروج ببيان موحد، تجاه التهديدات التي تطال سيادة اليمن ووحدته الجغرافية.

يمكن القول، بأن الرياض بعد أن نجحت في تحويل “الشرعية اليمنية” إلى مجموعة كيانات غير متجانسة تدين بالولاء لها، تقوم الآن بأداء الدور الأخطر، محاولة إحداث انقلاب سياسي داخل هذه الشرعية، عبر فرض تحديث في اتفاق الرياض يفضي إلى البدء بالترتيبات السياسية قبل العسكرية من الاتفاق، وهو ما يعني تمكين المجلس الانتقالي من أن يكون له نصيب كبير في إدارة القرار السياسي في الشرعية، وبالتالي امكانية افراغ الشرعية من الشخصيات المؤمنة باليمن الاتحادي، وتعيين شخصيات تدين بالولاء المطلق لأجندات الإمارات والسعودية، وهو ما يعني شرعنة قادمة لكل “الرغبات” الاستحواذية والاحتلالية للتحالف السعودي الإماراتي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى