تأثير “اتفاق الرياض” على تفاهمات السعودية والحوثي

سيكون “اتفاق الرياض” الذي تم توقيعه بين الحكومة الشرعية وما يسمى “المجلس الانتقالي”، بمثابة الاختبار للهدنة غير المعلنة رسمياً بين السعودية والحوثيين، والتي تأتي ضمن “التفاهمات السرية” بين الجانبين.

وبالنظر لصيغته المتداولة، يبدو الاتفاق الذي استغرق التوصل إليه قرابة الشهرين، أقرب لتأهيل الشرعية وتوسيع إطارها، بغية التفاوض مع الحوثيين، أكثر مما يتم تصويره بأنه يهدف لتوحيد الجهود لمواجهة عسكرية قادمة مع حليف إيران المحلي.

لا يوجد في الاتفاق ما يشير إلى أن الخطوة القادمة لما بعد توحيد صفوف الشرعية هو مواجهة الحوثيين واستكمال إنهاء انقلابهم وتحرير ما تبقى من المحافظات، مثلما كان يردد التحالف، ومثلما يُفترض أنه الهدف من وراء هذا الاتفاق.

ما هو موجود في الخطوات التي يتعين على طرفي الاتفاق الالتزام بها، هو “توحيد الجهود تحت قيادة تحالف دعم الشرعية، لاستعادة الأمن والاستقرار ومواجهة التنظيمات الإرهابية”.

وهذه الفقرة توضح أولوية التحالف القادمة والحكومة الشرعية التي سيُعاد تشكيلها بناءً على اتفاقه، وهي الاستعداد للتفاوض السياسي مع الحوثيين، ذلك أن الحديث عن “استعادة الأمن والاستقرار” يوحي بانتهاء المعركة، وأن تطبيع الحياة هو الخطوة التالية لها بعد التوصل للتسوية النهائية، بينما العمل العسكري لمواجهة تنظيمي القاعدة وداعش وهما المقصودان بالتنظيمات الإرهابية، بحكم تعريفات التحالف الماضية.

قد يقول البعض إنه ليس بالضرورة أن يتضمن الاتفاق ما يدل على مواجهة الحوثيين، كونه يحل مشكلة أخرى، وهذا افتراض وارد، لكن كيف يمكن تقبل ذلك وتصريحات مسؤولي السعودية والإمارات خلال الفترة الماضية، تبرر وتروج له بوصفه الخطوة الضرورية واللازمة لاستكمال المعركة مع المشروع الإيراني؟

التدقيق في كلمة ولي العهد السعودي يوم التوقيع والتي قال فيها إن الاتفاق يفتح الباب لتفاهمات أوسع بين المكونات اليمنية للتوصل لحل سياسي، وهذه رسالة على أن خطوة الرياض القادمة هي تعزيز حالة التهدئة الحالية وفق تفاهمات تشمل بعض هواجسها الأمنية.

وكان لافتاً تصريح مسؤول سعودي لم يذكر اسمه لوكالة الصحافة الفرنسية في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق، قال فيه إن السعودية تجري محادثات مع الحوثيين وأنها تحتفظ بقناة اتصال مفتوحة معهم منذ ٢٠١٦، وذهب أبعد من ذلك إلى القول إنه لا يمكن إغلاق الباب أمام الحوثيين.

ونُظر إلى هذا التصريح على أنه رسالة تطمين للحوثي بأن لا يقلق على تخريب “التفاهمات السرية” بعدما بدا منزعجا من حل الخلاف بين الشرعية والانتقالي، والذي نجحت الرياض في إنهائه بما يخدمها وحليفتها الإمارات ويعزز نفوذها بعدن والجنوب ويجعلها المتحكم بالأمور بدلاً من الحليف الذي ظل متحكماً بالوضع هناك طوال السنوات الماضية.

سيكون الاتفاق الخطوة الأولى نحو التسوية الشاملة، وهذا ما تراه السعودية نفسها والمبعوث الأممي وسفراء الدول المهتمة بالحل السياسي، ويكفي أنه أشرك أحد الأطراف الجنوبية المطالبة بالانفصال في وفد الشرعية، للمرة الأولى، وهو ما اعتبره غريفيث أمراً إيجابياً كون الانتقالي من “أصحاب العلاقة الجنوبيين المعنيين”.

لقد قامت السعودية بخطوة تساعد المبعوث في التحضير لاستئناف المشاورات، وذلك بإشراك الانتقالي ضمن وفد الشرعية وهذا يضفي طابع الشمولية على المشاورات القادمة، على اعتبار أن مكون الانتقالي من الأطراف الفاعلة على الأرض، لكنه ليس الوحيد في الجنوب.

الإشكالية قد تكون في حال أصر الانتقالي على تقديم رؤية منفصلة مختلفة عن رؤية الوفد الحكومي وطرح مطلب الانفصال على الطاولة، وهذا سيؤدي لخلاف بين وفد الشرعية يتسبب بإفشال المشاورات أو انسحاب الانتقالي في حال رفض مطلبه ورؤيته، ولا يُعرف كيف سيتم التعامل مع هذا الأمر حينها، كما ليس معروفاً تصوّر الشرعية لهذا الاحتمال والموقف الذي ستتخذه.

وبعيداً عن هذا، يبقى أن تلك الخطوة تخدم الجهود الأممية، بجانب قبول الرياض للتهدئة وتعزيز التفاهم مع الحوثيين، وأي نتائج جديدة ستعجل بإعلان موعد المشاورات القادمة.

والتفاهم بين الطرفين يلقى تشجيعاً دوليا، إذ بالإضافة إلى التصريحات الأميركية ذات الصلة، أعلن سفير بريطانيا لدى اليمن مايكل آرون، أن بلاده التي تعتبر المقرر “حاملة القلم” بشأن اليمن في مجلس الأمن الدولي، ترى أن بالإمكان فصل الحوثيين عن إيران، وأنهم يمكن أن يدخلوا في علاقة ودية مع السعودية، وأن الماضي بينهما جيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى