“بيانات الرياض”.. قليل من الغموض وكثير من المكر!

اليمن نت -
المجال: مقالات التاريخ: سبتمبر 10, 2019

نطقت السعودية مرتين، اتسم نطقها بالغموض في الأولى وبالتناقض في الثانية، حيث أصدرت بيانا منفردا حول الأحداث الأخيرة في عدن ومناطق جنوبية أخرى وصفتها بالفتنة وليس بالانقلاب، وأوردت في بيانها بضعة سطور لصالح الشرعية ووحدة اليمن، ثم أعقبت ذلك ببيان مشترك مع الامارات، يتناقض مع البيان الأول، وكأن الرياض في الأول ترضي الشرعية وفي الثاني ترضي أبوظبي، ومع ذلك فإن دعوة المملكة للحوار دون شروط، وضعها في دائرة الشك، وجعلها في محل الريبة، ولم يمض وقت طويل حتى أتى البيان الثاني (السعودي الاماراتي)، ليوضح طبيعة السياسة السعودية، التي وإن اختلفت مع أبوظبي في الوسائل والنتائج، إلا أنها تتفق مع الامارات في أهداف التدخل في اليمن، والتي لا دخل لها بإنقاذ الشرعية من قريب ولا بعيد.

لقد أكدت المملكة في بيانها المنفرد بأنها لن تعترف بغير الحكومة المعترف بها دوليا، كيانا شرعيا، وطالبت المجلس الانتقالي بإعادة المعسكرات والمقرات التي تتبع الدولة إلى الحكومة، وقالت في الوقت ذاته إن أمن اليمن واستقراره من أمن المملكة، وعليه لن تسمح بأي تهديد لوحدة اليمن واستقراره، وهذه التأكيدات السعودية لاقت ترحيبا رسميا وارتياحا شعبيا، لكنها لم تنه شعور الريبة والشك من نفوس الكثير من اليمنيين، ليس فقط لأن السعودية لديها مواقف كثيرة خذلت فيها اليمن، وغدرت فيها باليمنيين، بل لأن البيان نفسه يتضمن سطورا غامضة، تناقض بعضها ما أكدت عليه الرياض بدعم الشرعية، وتفسّر بعضها بتأويلات تخدم القوى المعادية لليمن؛ الإمارات حاليا، وسرعان ما أتى البيان المشترك ليوضح هذا الغموض السعودي، حيث ترى الدولتان بأن ما يحدث بعدن هو خلاف داخلي بين الحكومة والانتقالي، وليس صراع بين اليمن والامارات التي نفذت انقلابا في عدن، عبر مليشيا الانتقالي.

ولم يعد يستقيم القول بأنك لا تقبل بأي اعتداء على الشرعية ولا المساس بأمن اليمن، ثم تصف الجرائم التي ارتكبت بحق اليمن والحكومة، بأنها مجرد “فتنة” داخلية، مع أنها انتهاك واضح لسيادة اليمن، كونها صادرة من دولة أخرى؛ وهي الإمارات، التي دعمت، بشكل معلن وفج، سقوط عدن ومدن أخرى بيد الانقلابيين، كما لا يمكن تصديق أن الرياض جادة في حماية الحكومة، وهي حتى اللحظة لم تتخذ موقفا من قصف الإمارات للجيش اليمني في مداخل عدن، وارتكاب مجزرة دموية ذهب ضحيتها مئات الجنود.

عندما تتحدث الرياض بأنها لن تعترف بغير الشرعية ثم تدعو للحوار مع المليشيا المنقلبة عليها، وفي نفس الوقت لم تعترف حتى الآن بأن ما حدث انقلابا أو حتى تمردا، فهي تتعامل مع الشرعية والانقلابيين، كأطراف نزاع متساوية، كما أنها تضفي صفة رسمية على المجلس الانتقالي الذي يؤكد على عدم الاعتراف باليمن ووحدته، ويتخابر مع دولة أجنبية؛ الإمارات، لانفصال اليمن وتقسيمة، كما أن دعوة المملكة إلى حوار فوري لا يمكن أن يستقيم، مع نداءاتها المتكررة بانسحاب الانتقالي من مؤسسات الدولة وتسليم مقراتها ومعسكراتها.

ما الذي تريده الرياض؟ إذا كانت جادة في حماية أمن اليمن، فلماذا تسمح بقيام التمرد على حكومته؟ وإذا كانت بالفعل لن تسمح بتشطير اليمن وتقسيمه، فلماذا تسكت على ما تفعله الامارات في عدن والمناطق الجنوبية؟ وإذا كانت تعتقد بأن سلام واستقرار اليمن جزء من سلامها وأمنها، فلماذا تصمت على قصف جيش اليمن تم استهدافه من قبل دولة الامارات التي دخلت التحالف بضمانتها؟.

لقد كان حذرُنا من بيان السعودية المنفرد صائبا، فبين سطوره قليل من الغموض وكثير من المكر، وهو مكر اتضح في بيانها المشترك مع الامارات، والذي أكد بوضوح بأن الدولتان متفقتان على ما يحدث بعدن ومختلفتان فقط في ما حدث بشبوة، لقد تجاوزت الامارات المساحة المحتجزة لها في جنوب اليمن، ودخلت المساحة المحتجزة للرياض، ولقد تم حل الامر بالتفاهم على أن تتحكم الرياض بالشرعية وتضبط أبوظبي مليشياتها، وهذا ما يمكن فهمه حتى من حديث كتاب السعودية الكبار الذين يعبرون عن سياساتها الحقيقية، وكمثال يمكن العودة الى مقال الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد، الذي قال بوضوح إن الخلاف حول اليمن عادي وطبيعي بين بلدين علاقتهما استراتيجية، وأكد أن البيان المشترك هو المعبر عنهما بشأن اليمن، ولم يعد أمام اليمنيين سوى اللجوء “إلى القانون الدولي والمؤسسات الدولية المعنية”.

أصبح من حقنا الآن، أن ننتظر أفعال المملكة بعد أن أضحت حتى بياناتها متسقة مع الجرائم الاماراتية، خصوصا وأننا قد خدعنا أكثر من مرة ببياناتها، فالبيان السعودي المنفرد لم يكن سوى “فخ سعودي” لاستدراج الحكومة لإجراء حوار تعترف فيه بمليشيا الانتقالي، ككيان سياسي، ولقد مثّل عدم إدانة السعودي للإمارات وتبرئتها أكثر من مرة، غطاء سياسيا لجرائمها الجسيمة التي تهدد وحدة اليمن وسلامة أراضيه، ولم يعد أمام الحكومة إلا تحديد مهلة زمنية قصيرة للرياض لاتخاذ إجراءات عملية رادعة تعيد عدن للشرعية، الآن وليس غدا، مالم فإن السعودية متواطئة مع الإمارات وشريكة لها حتى إشعار آخر، وعليه يجب على الشرعية ككيان معبر عن اليمن، أن تذهب؛ كما هي نصيحة الكاتب السعودي، المجانية والعملية، إلى المؤسسات الدولية، وهذه المرة لن تكون الشكوى بالإمارات فقط، بل التحالف كله، فاليمن أولا وقبل كل شيء.