بن عفرار إذ يكرر التجربة البائسة للرئيس

ياسين التميمي

عبد الله عيسى بن عفرار، نجل آخر سلاطين سلطنة المهرة وسقطرى التي كانت تتخذ من مدينة قشن في المهرة عاصمة لها.. هذا السياسي الذي جرى استدعاءه من التاريخ المدفون، يقدم للأسف أنموذجا شديد الخطورة للشخصيات التي يمكن أن تستغل موقعها ودورها وتعيد تجييرهما في لحظة دراماتيكية لصالح أطراف تبدو للعيان متربصة بالجغرافيا والإنسان في جنوب البلاد، مرتهنة لحسابات تكتيكية ولرؤية قصيرة النظر.

هناك الكثير من القيادات في الجنوب التي تتمتع بقابلية شديدة للتحول السياسي بإغراء المكاسب الآنية، وبالنظر إلى المرونة التي تتوفر اليوم بين القبول بدولة اتحادية أو التضحية بها لصالح دولة جنوبية رغم ما يحيط بها من مستقبل محفوف بالمخاطر والصراعات والأطماع الإقليمية الخطيرة.

يكرر الشيخ عبد الله بن عيسى تجربة الرئيس عبد ربه منصور هادي حرفياً ليبدو وكأنه عصي عن استيعاب تجربة هذا الرئيس الذي انتهى به الأمر أسيراً بين أربعة جدران في الرياض لا يملك من أمره شيئاً. دفعت الأقدار والصدف بالرئيس هادي إلى أهم وأكبر منصب في اليمن، وسط تأييد لم يسبق أن حصل عليه رئيس من قبله، امتلكوا ما لم يمتلك من النفوذ والحاضنة الشعبية والدعم الإقليمي.

ومع ذلك تنكر الرئيس لهذا العمق الشعبي وذهب يتسقط الوعود التي قطعها له حكام الإقليم، وتماها مع المؤامرة التي حاكوها ضد ربيع اليمن، وأقنعوه بأن عملية جراحية ستتم على عجالة من أجل استئصال الزوائد السياسية الثورية ليخلو له الجو رئيسا مجمعاً عليه.

وفي هذه الأثناء كان الإقليم يرتب أمراً آخر تماماً لينتهي به المطاف رئيساً معلقاً بين السماء والأرض فلا هو في أحد الكواكب ولا هبط على أرض اليمن، محشور في زاوية تحيط بها كاميرات التجسس والمراقبة من كل اتجاه.

ظل يرقب من بعيد أعمدته السياسية والعسكرية تتساقط الواحد تلو الآخر ومعه يتلاشى نفوذه الرئاسي ونفوذ سلطته، وهو يُمنِّي نفسه بأن كل شيء سيكون على ما يرام سيتم التخلص من مراكز القوى وسيتحرر اليمن من أثقال المؤثرين التقليديين.

لكنه اصطدم بالحقيقة فحين قرر العودة إلى عدن، وهو أمر اعتيادي لم تسعه عدن، لأن قوى الأمر الواقع المدعومة من ذات التحالف كانت قد امتلكت كل الأسلحة التي جعلتها تقرر منع هبوط طائرة الرئيس في مطار عدن الدولي الذي لا يبعد كثيراً عن حدود محافظة أبين التي ينتمي إليها الرئيس هادي، وحينها قرر تغيير وجهة طائرته صوب محافظة أرخبيل سقطرى التي كان قد أعلنها رسمياً محافظة منفصلة.

وهناك وجد الرئيس نفسه محاصراً بالنفوذ الإماراتي ليعود إلى الرياض مكسور الخاطر مجروح الكرامة، وها هو اليوم يرى سقطرى تخرج من تحت نفوذ الشرعية بعد أن خذله قائدٌ من أبناء محافظته وسلك ذات الطريق التي سلكها مع اليمنيين من موقعه على رأس الدولة.

عبد الله بن عفرار، هو النموذج البائس من الرئيس هادي، فها هو يقلب ظهر المجن لحاضنته الاجتماعية، ويتنكر لتضحيات أبناء المهرة وسقطرى الذين احتشدوا في الساحات في كل من حديبو والغيظة وبقية مناطق المحافظتين، معبرين عن روح وطنية رافضة للهيمنة الخارجية.

بقي بن عفرار يراوغ ويتنقل بين ثلاثة عواصم إقليمية ليستقر به الحال في الرياض وابوظبي جاهزاً لأداء دور سياسي، يتخادم مع المخطط الواضح لهاتين الدولتين اللتين تدفعان بتعزيزات عسكرية كبيرة تشير إلى بقاء نفوذهما في محافظتي سقطرى والمهرة، والتحكم بمصيرهما الجيوسياسي ضمن ترتيبات من المؤكد أن بن عفرار ليس سوى كرت سيجري حرقه عندما لا تكون ثمة حاجة إليه.

وإذا لم يكن ما أقدم عليه بن عفرار جزء من مناورة سياسية ذكية فإنه تهدف إلى التعاطي مع الوقائع التي انتجها تحالف الرياض-ابوظبي، فإن ما أقدم عليه لا يمكن أن يوصف إلا بأنه مغامرة بائسة وتخادم شديد الخطورة سيكون هو أحد أسهل ضحاياه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى