اليمن وليبيا المقارنة الحتمية

ياسين التميمي

تكاد قوات الوفاق الليبية تحكم السيطرة على الجزء الغربي من البلاد، وسط تقدم عسكري متسارع تحرزه هذه القوات نحوأهم المدن والقواعد العسكرية التي كانت تحت سيطرة الانقلابي خليفة حفتر، المقاول الليبي السيء الذي تكفَّلَ بإنجاز الثورة المضادة في هذا البلد.

أصداء انتصارات قوات الوفاق تتردد بقوة في الساحة اليمنية فرحاً وسرورا بالإنجازات العسكرية التي تتحقق ضداً على المخططات الخبيثة والإصرار العنيد من قبل أسوأ أنظمة المنطقة، والتي أفرغت الساحة اليمنية ومن قبلها الساحة المصرية من أهم عملية سياسية ديمقراطية، لتملأها بالفشل والدكتاتورية والضياع والقمع والبؤس المعيشي كما هو الحال في مصر، والحرب والتجزيء ومحاولات السيطرة على الجغرافيا وإذكاء النزاعات الجهوية والطائفية وتحويل البلاد إلى ساحة مواجهة إقليمية وحرب بالوكالة كما هو الحال في اليمن.

ليس لدى الأنظمة التي دعمت حفتر من خيار سوى القبول بالنتائج السياسية للموقف العسكري الناشئ في ليبيا، ومن أهمها التسليم بإرادة الشعب الليبي والاقرار بقدرة الحكومة الشرعية على فرض نفوذها والقيام بدورها وفقاً للاتفاقيات والتفاهمات التي توصل إليها الفرقاء الليبيون بإشراف دولي وتوجت باتفاق الصخيرات الموقع في السابع عشر من شهر سبتمبر/ أيلول 2015 .

هناك ارتباط وثيق بين المشهدين الملتهبين في كل من اليمن وليبيا من حيث النتائج السياسية، فكلما انتصر خيار الشعب في الحرية الكرامة والديمقرايطة والشراكة على قاعدة الاستقلال والعلاقات الندية مع اللاعبين الإقليميين، كلما ترك ذلك أثره العميق على التطورات في المشهد الآخر.

على مدى خمس سنوات ونيف لم يسفر التدخل العسكري السعودي الإماراتي عن نتائج سياسية تتفق مع الأهداف التي أعلنها هذان البلدان وحصل بموجبها على تغطية كاملة من معظم الشعب اليمني والمجتمع الدولي، والذي حدث هو أنهما زرعا الكثير من الألغام السياسة والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والعسكرية التي جعلت من حركة اليمنيين في أرضهم محفوفة بالمخاطر.

وجعلت من إعادة نفوذ الدولة الشرعية والاستقرار الوطني مهمة مستحيلة. والأسوأ أنها فتحت الباب أمام المشاريع العدائية التي يعربد أصحابها تحت رايات وشعارات عديدة، ويقتربون أكثر فأكثر من إعادة إحياء الإمامة الكهنوتية، ومما يسمى الجنوب العربي وهي الصيغة البريطانية التي فرضتها في ستينيات القرن الماضي لاحتواء الموجة الوطنية الثورية الوحدوية التي كانت تدفع باليمن إلى الوحدة المبكرة خصوصاً بعد قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962ٍ.

لذلك سيتعين على السعودية أن تراجع حساباتها في اليمن، لأن اليمنيين أكثر ما يسيطر على تفكيرهم اليوم هو المقارنة بين ما يجري في ليبيا حيث تقدم تركيا ومعها قطر أنموذجاً مشرفاً للإسناد الأخوي لدولة شقيقة هي ليبيا، وبين اليمن الذي يتردى أكثر فأكثر وتستفحل فيه الكوارث متعددة الأبعاد وأسوأها السيطرة التي تفرضها قوى الأمر الواقع من عصابات وميلشيات جهوية وطائفية بسبب التدخل السعودي الاماراتي.

لا أحد من اليمنيين يستطيع أن يغمض عينيه عن النتائج السريعة التي أحرزها الإسناد اللوجيستي التركي -القطري للدولة الليبية، وهو يرى بلده تتجه نحو الفشل الكامل، حيث تُسرق المساعدات من قبل العصابات والميلشيات، وتتحول دولة مثل السعودية يفترض أن تقود أكبر تحالف عسكري عربي إلى مجرد “شحَّات” سخي يتباهى بانه يُقِّدمُ اليمنَ للسنة الخامسة على التوالي إلى المائدة الدولية بحثاً عن كرم المانحين واستجداء شفقتهم والمتاجرة بمعاناة اليمنيين.

ليس هذا فحسب، بل أن الشريك الرئيس فيما يسمى تحالف الشرعية وهي الإمارات رفع يده تماماً عن مساعدة اليمن فلم تقدم هذه الدولة وقيادتها سيئة النوايا شيئا في المؤتمر الأخير للمانحين. وعلى الرغم من أن ذلك يشكل مصدر إجراح شديد للرياض، إلا أن موقف ابوظبي كان متوقعاً.

فإمارات محمد بن زايد معنية حالياً بتأمين المساعدات المالية والعسكرية الملحة للمجلس الانتقالي الذي يقاتل السلطة الشرعية في محافظة أبين، وهو امتداد لما كانت الإمارات قد أقدمت عليه حيث تحولت إلى عدو مباشر للسلطة الشرعية، وارسلت طائراتها في 29 أغسطس/ آب لضرب الجيش الوطني على مشارف عدن مستغلة السيطرة الجوية الكاملة لهذا التحالف على أجواء اليمن وبرها وبحرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى