اليمن في دائرة “الوضع المؤقت”!

محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: يناير 8, 2019

تدور جملة بحثية في أروقة المراكز الدولية المتخصصة بشؤون العالم العربي، مفادها “في الشرق الأوسط، لا شيء أكثر دواما من الوضع المؤقت”، وفيما يبدو فإن هذه الجملة لم تبق داخل تلك المراكز كافتراض بحثي، بل تحولت إلى فكرة سياسة، تبنى عليها خطط ممهنجة، تهدف إلى إبقاء دول الشرق الأوسط داخل دائرة “الوضع المؤقت”، بغية التحكم في نتائج الأوضاع الكارثية، سعيا لتحقيق مطامع جيوسياسية.

تقع اليمن في تلك الدائرة؛ دائرة الوضع المؤقت، وهو الوضع الذي تم إدخالها فيه منذ ما بعد 2011، وحتى الآن، مرة باسم التحول الانتقالي من مشهد ثورة فبراير، تحت وضع مؤقت مرتبط بالمبادرة الخليجية، وهي المبادرة التي تم فيها التوطين السياسي لمليشيا الحوثي، ومرة ثانية باسم “تحقيق توازن الضعف” بين المليشيا الحوثي وبين مكونات ثورة فبراير السياسية، تحت وضع مؤقت مرتبط باتفاقية السلم والشراكة، وهي الاتفاقية التي أدت الى تسليم مؤسسات السلطة إلى الحوثي، وهو ما أنتج انقلاب سبتمبر 2014.

وككل الخطط التآمرية، تأتي أحيانا النتائج بشكل معكوس لما هو خطط له، فقد خرج قطار “الوضع المؤقت” في صنعاء من سكة الرياض باتجاه إيران، التي استفادت من تخبط الرياض وأبوظبي، وقطفت ثمار الثورة المضادة في اليمن، لتصبح الراعي اللوجستي لمليشيا الحوثي، وهو ما أنتج تدخلا خليجيا أعلن حينها أنه “تدخل مؤقت” بهدف استعادة الشرعية عبر إنهاء الانقلاب.

لكن هذا التدخل المؤقت، ونتيجة للسياسات السعودية الإماراتية البعيدة عن تحقيق هدف التدخل المعلن؛ استعادة الشرعية، أنتج تغييرا جيوسياسيا في المناطق المحررة، تمثل في تسليمها لمليشيات مضادة للشرعية، عرفت بالحزام الأمني والنخب الحضرمية والشبوانية وكتائب أبو العباس، فضلا عن ألوية تتبع طارق صالح، ووضعت لتلك المليشيات التي تدين بالولاء للإمارات، مهمة إبقاء الوضع في المناطق المحررة، رهين “قنابل مؤقتة”، تنفجر على شكل أزمات سياسية واقتصادية.

كانت الأربع السنوات الماضية من عمر الأزمة اليمنية، قد مثلت فرصا حقيقية للتحالف العربي، لتحقيق هدفه باستعادة الشرعية ومن ثم حماية الأمن القومي للرياض وللوطن العربي من التدخلات الإيرانية، لكن كل تلك الفرص تاهت، بسبب إصرار الرياض وأبوظبي على إبقاء اليمن داخل دائرة “الوضع المؤقت”، فعدم انهاء الحرب مع الحوثي وعدم انجاز السلام معه، كان رغبة السعودية والامارات، من أجل بناء تحالفات سياسية وعسكرية تدين بالولاء للنظامين السعودي والإماراتي، ومع ذلك فإن وضع اللاحرب واللاسلم، عاد بالنفع على الحوثي وبالتالي على إيران.

من الناحية الدولية، فإن “الوضع المؤقت” فكرة بدت أنها مثمرة في اليمن، ولذا سعت الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، إلى التحكم في ضبط ايقاع وتيرة الأوضاع المنفلتة في صنعاء وعدن والحديدة وتعز، مركزة على نقاظ ضعف الأطراف المحلية والإقليمية، باتجاه تنفيذ خطة تضمن “وضعا مؤقتا” في الحديدة.

اتفاقية السويد كانت هي المدخل لجعل الحديدة، وخصوصا ميناءها، منطقة شبه دولية، وقد تم صياغة بنود الاتفاقية بشكل غامض التفسير، ليتم احتكار توضيح الغموض فيها، من قبل اللجنة الدولية للمراقبة، التي يحق لها في حالة صعوبة تنفيذ الأطراف لبنود الاتفاقية، استدعاء قوات حفظ السلام، وهي القوات التي أكدت وقائع مشابه في عدة بلدان مضطربة، أنها لسيت قوات بريئة من الأجندة المشوهة.

الوضع المؤقت إذاً، ليس مؤقتا بذاته، بل مدروس بإتقان، لجعل البلدان المضطربة؛ واليمن واحدة منها، داخل وتيرة الاضطراب والفوضى الخلاقة، ما يتيح للقوى الدولية تحقيق أجندتها الخاصة بها، ولا ننسى أن الدوائر العالمية تدرك جيدا، أنه لا أفضل من “الوضع المؤقت”؛ وضع اللاحرب واللاسلم، لتحقيق جميع الأطراف المحلية والإقليمية مطامعها، وهو ما يمثل فرصة ذهبية لإدارة اليمن بمطامع أهلها.