اليمن داخل المسطرة السعودية!

محمد اللطيفي

 الأزمات الكبرى في أي دولة، لا يمكن لها أن تسلك نهاية واضحة، إلا عبر حرب حقيقية أو سلام شامل، هذه حقيقة تثبتها وقائع التاريخ القديم والمعاصر، الحروب الجادة والسلام العادل، طريقان وحيدان لإنهاء أية أزمة تعصف بأي بلد، وهذا ما لم يحدث لدينا في اليمن.

 يمكن النظر إلى خارطة المناطق التي خاضت بها الشرعية صراعات مع مليشيا الحوثي أو مليشيا الانتقالي، سنجد أنها لم تكن معارك كاملة سجل فيها انتصار تام أو هزيمة حقيقية لأي طرف، الحرب تسمى كذلك عندما ينتصر فيها طرف ما ويفرض بعدها شروطه، ولا أحد من المتصارعين في اليمن نجح في ذلك، والسبب يعود إلى عدم امتلاك (الشرعية والمليشيات المتمردة عليها؛ الحوثي والانتقالي) القدرة على الحرية في اتخاذ قرار إدارة الحرب، تعود الكلمة النهائية لقرار الحرب ونشوب المعارك وايقافها إلى السعودية وايران والإمارات.

 أغلب معارك الشرعية مع مليشيا الحوثي، تسير وفق مخطط مرسوم من الرياض، هناك مسطرة سعودية محدد فيها أين تتقدم فيها قوات الجيش الوطني ومرسوم عليها أين يجب أن تقف ومتى تتراجع، وكل جنوح خارج حدود تلك المسطرة يعني تمرد غير معلن على المملكة، وبالتالي حرب سعودية غير معلنة على الجيش، لا يحتاج الأمر إلى بحث لإثبات ذلك، يمكن النظر في المعارك الأخيرة التي جرت في منطقة نهم التابعة لصنعاء والمحاذية لمأرب، فعندما قرر الجيش خوض معركة ضد مليشيا الحوثي بدون موافقة المملكة، سحبت السعودية مدافعها، وتركت الجيش بدون دعم جوي متكامل، وقام الطيران السعودي بشن غارات على وحدات من الجيش.

 المسطرة السعودية تتعامل من اليمن من أعلى، من الجو دائما، لا يهم أن تتكون مليشيات على الأرض اليمنية، هذه ليست مشكلة السعودية ولن تكون، كل مليشيا تتجاوز النطاق المحدد لها تعاقب، كل قوات نظامية تخرج عن الطاعة تقصف، مليشيا الحوثي قصفت على طول الخمس سنوات عندما كانت تخرج عن نطاق المسموح به، والانتقالي تم إرجاعه إلى عدن عندما تجاوز ما رسم له.

عقدة السعودية الرئيسية تكمن في تكون جيش وطني قوي، مسموح أن ينشأ جيش ولكن ضعيف القدرات وبقيادة رخوة وجبانة، ولا حظنا على مر السنوات السابقة وحتى الآن، أن الرياض قصفت أكثر من مرة الجيش الوطني في أكثر من منطقة، عندما فكر بالخروج عن النص السعودي، الرياض تحتاج للجيش في مناطق النفط ولكن في ظل قدرتها على التحكم بقراراته العسكرية ومصادره المالية.

 النتيجة كانت عدم قيام حرب وطنية حقيقية ضد المليشيات المتمردة؛ الحوثي في صنعاء والانتقالي في عدن، ولذلك لم يحدث انتصار كامل على أي مليشيا، ولم يحدث تحرر حقيقي لأغلب المناطق، كل منطقة تتحرر من الحوثي تذهب لمليشيا أخرى، المناطق التي لا تزال؛ نسبيا بيد الشرعية وبدون تدخل كامل من السعودية، هي المناطق التي لم تدخلها مليشيا الحوثي أو تحررت بإرادة شعبية كاملة.

 قياسا على حالة الحرب، يمكن فهم حالة السلام، فلم يوجد سلام حقيقي؛ ولن يوجد، لأن قرار السلام ليس بيد أحد في اليمن، يتحرك الوفد الحكومي في كل العواصم العربية أو في السفينة الأممية على البحر الأحمر، كتابع للقرار السعودي ولا يتحرك خارج رغباته، حتى حدود رفضه محدودة، ولو لاحظنا فإنه حتى مسؤولو الأمم المتحدة يستخدمون تسميات لا تعبر عن مفهوم السلام الحقيقي، مثل المشاورات والتفاهمات وخطوات بناء الثقة، وعندما يتحدثون عن الحرب، يستخدمون مفردة؛ تخفيض التصعيد، لا إنهائه، لأنهم يعرفون أيضا بعدم وجود نية حقيقية لإنهاء الحرب ولا لتثبيت سلام عادل.

 لا يمكن أن يترسخ سلام عادل إلا بحرب حقيقية، يكون فيها الطرف المنتصر هو صاحب الشرعية وتكون فيها الأطراف المتمردة خاضعة لشروط العدالة الانتقالية، ولا يمكن للمتمرد أن يخضع ويتنازل إلا إذا كٌسر سلاحه وقطعت موارده.. وقديما قيل:

 لا عدل إلا إن تعادلت القوى وتصادم الإرهاب بالإرهاب.

وعليه، فلن ننجو، إلا عندما نمتلك قرارنا الوطني في خوض غمار الحرب أو صياغة قرار السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى