اليمن.. بعيدة من الشرعية قريبة من السعودية!

محمد اللطيفي

 مثل مقتل القيادي الشيعي قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، ضربة مؤلمة وقاسية للجمهورية الإيرانية، وهي ضربة لم تنحصر تداعياتها على الداخل الايراني، بل تجاوزته إلى البلدان العربية التي تمثل لطهران بمثابة عواصم استعمارية ومراكز نفوذ، كـ بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء، وهي العواصم التي إما تستوطنها أنظمة موالية للنظام الإيراني كدمشق، أوتسيطر عليها مليشيات تابعة لها كالحشد الشعبي بالعراق وحزب الله بلبنان وجماعة الحوثي باليمن.

 لكن مقتل سليماني هل سيضعف تلك المليشيات الإيرانية في العواصم العربية أم سيقويها؟، هذا الأمر مرهون بمدى استفادة الأنظمة والقوى العربية من حالة الصدمة التي تعيشها طهران، هل ستتكاتف هذه الأنظمة وتلك القوى لصياغة استراتيجية موحدة ومنظمة؟ وهل سيؤخذ بالاعتبار مراجعة الأخطاء السابقة التي ارتكبت خلال الفترة الماضية من مواجهة التدخلات الإيرانية في المنطقة العربية؟ وهل سيتم تعديل الاستراتيجيات المعتمدة على التخوفات من قوى الربيع العربي؛ خصوصا منها القوى الإسلامية، كونها مهمة في إحراز أي انتصارات ضد مليشيات طهران؟.

 كانت طهران قد تلقت هزائم قاسية على يد المتظاهرين العراقيين واللبنانين، الذين رفعوا سقف مطالبهم ضد إيران ومليشياتها، وعاشت طهران لحظات أكثر رعبا مع تصاعد حالة الرفض الشعبي العربي لها، بعد وصول صدى التظاهرات إلى المناطق الإيرانية، ومع ذلك لم تستثمر الأنظمة العربية؛ السعودية كمثال، هذا الرفض العربي بشكل ذكي، بل وقفت تتفرج عليه مستحضرة رهاب الربيع العربي، وأقتصر تأييدها على التناولات الإعلامية عبر القنوات الفضائية وبشكل محدود.

 لقد فوتت السعودية فرصة الإنقلاب السلمي الشعبي العربي ضد إيران، وهو ما يجعلنا نشكك في مقدرة الرياض على استثمار مقتل سليماني، لدعم خطة مواجهة ما تسميه بالتدخلات الإيرانية في الأمن القومي العربي، لأن ذلك يستدعي بالضرورة تغيير طريقة التفكير السعودية المبنية على دعم المليشيات، إلى طريقة تفكير جديدة تساهم في دعم الحكومات الشرعية، في البلدان العربية التي تمثل مناطق لوجستية لطهران؛ مثل اليمن، وصولا لخلق أنظمة عربية قوية ومستقلة.

 بالنسبة لايران، وهذا معهود عنها، وعكسا للسعودية، فسوف تقوم باستثمار مقتل سليماني لصالح توحيد جبهات مليشياتها في العواصم العربية، وستتخذ من الحادثة فرصة لتهييج أنصارها الشيعة العرب، وستكثف من دعمها العسكري والمالي لمليشياتها، وستواصل عبرها تنفيذ عملياتها الهجومية ضد المصالح الاستراتيجية للسعودية.

 بالنسبة لليمن، فقد تستثمر إيران مقتل سليماني، ضد السعودية سياسيا وعسكريا، حيث يمكن أن تطيح بجهود المحادثات السعودية الحوثية التي رعتها مسقط، وترجعها إلى نقطة الصفر، وربما تشهد الأيام القادمة تكثيف مليشيا الحوثي ضرباتها على المصالح السعودية، وقد تستخدم طهران الحوثي في تهديد المصالح الأمريكية في البحر الأحمر.

 لقد أظهرت الحشود التي خرجت بصنعاء عقب مقتل سليماني، مدى سرعة إيران في استثمار الحادثة لصالحها، وأبانت الصور التي انتشرت في شوارع صنعاء حجم النفوذ الإيراني فيها، لكن تلك الحشود والصور أكدت الفشل السعودي في اليمن والذي لولاه لما أمتلكت طهران كل هذا القدر من التحكم بعاصمة عربية بعيدة عنها وقريبة من السعودية.

 ما يمكن تأكيده، أن صنعاء والمناطق الخاضعة لمليشيا الحوثي، ستظل رهينة النفوذ الإيراني، طالما ظلت اليمن مجرد حديقة خلفية مليئة بالألغام السياسية في ذهنية صانع القرار السعودي، كل ما يمكن فعله هو الاستمرار في تأدية مهمة نزع الألغام الإيرانية واستبدالها بألغام سعودية وإماراتية، وبما أن خارطة الألغام الإيرانية بيد مليشيا الحوثي، فان السعودية فشلت حتى في مجرد نزع الألغام، فكيف بالتفكير في القضاء على من يزرعها.

 إن أكبر مشكلة تعيشها اليمن حاليا، هو أن الكيان المعبر عنها والمعترف به دوليا، والمتمثل بالشرعية، لا يزال يتعامل مع نفسه كملحق تابع للمملكة، وليس كممثل لبلد مستقل ذات سيادة اسمه اليمن، وطالما لم تحاول الشرعية والقوى المنضوية فيها، الخروج من جلباب السعودية الضيق، فستتمدد إيران في اليمن وتقوي من نفوذها.

 إن اليمن تعيش حالة عصيبة ليس بسبب إيران، بل لكونها بعيدة من الشرعية قريبة من السعودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى