اليمن.. “الفصل السابع” أم “الفوضى الخلاقة”!

  انتهت مشاورات جنيف الثالثة، حول الأزمة في اليمن، وفشلت في تحقيق الحد الأدنى من هدف المشاورات، وهي جمع طرفي الشرعية والانقلاب في مكان واحد بطاولتين غير مباشرتين، وقد بدت المفاوضات الأخيرة، أشبه بمسرح كوميدي فاشل بلا جمهور، لم يستطع منظموه احضار كامل فريق التمثيل.

 فالمبعوث الاممي؛ وهو منظم مسرح المشاورات الأممية، ظهر وكأنه وكيل لمليشيا الحوثي، أكثر من كونه مبعوثا دوليا للأمم المتحدة إلى اليمن، عندما أصر على عدم تحميل الطرف الرئيسي المعرقل لنجاح انعقاد المشاورات، وهو ما أظهر جزء من حقيقة الامم المتحدة، التي؛ بقصد أو بدونه، تشرعن لوجود المليشيات في العالم، وتجعل منها كيانات سياسية، في مهمة مساعدة لنشر “الفوضى الخلاقة”، التي أضحت نظرية الدول العظمى في إدارة العالم.

  بدأت شرعنة وجود مليشيا الحوثي في فضاء السياسة، بعد المبادرة الخليجية، التي أفضت إلى مرحلة انتقالية تتضمن حوارا وطنيا، وقد عملت الأمم المتحدة، بتنفيذ الخطة الأمريكية ـ السعودية، بإدخال مليشيا الحوثي في القوى المشاركة في الحوار الوطني، رغم أنها لا  تتوفر فيها أي شروط الكيانات السياسية، ولم يكن حتى لها حزب او نشاط سياسي، ولم يتم وضع أي اشتراطات عليها لترك السلاح، بل تم وضعها داخل الحوار كقوى مساوية لأكبر حزب سياسي؛ التجمع اليمني للإصلاح، وبعدها تم الصمت، أو التواطؤ، وربما الدعم، على توسعها العسكري من صعدة إلى عمران، ثم صنعاء.

  أدى سقوط صنعاء، إلى تمكين المليشيا الانقلابية بدعم المخلوع صالح، ورعاية السعودية والإمارات، وصمت المجتمع الدولي، وحدث بعدها انقلاب من تلك المليشيا المدعومة على داعميها، مما جعل السعودية تتجه إلى وضع خطط بديلة لتأديب المليشيا التي خرجت عن النص الإقليمي والدولي في تحركاتها العسكرية، لكن المليشيا التي فضلت تنفيذ مخطط إيران على خطط السعودية، ذهبت باتجاه التوسع في خارطة اليمن وصولا لعدن، ما جعل السعودية تتجه إلى مواجهة عسكرية مباشرة معها، عرفت بعاصفة الحزم.

 وطوال فترة التدخل السعودي الذي تم بغطاء عربي؛ اماراتي بالدرجة الرئيسية، وحتى الآن، ظهر واضحا أن السياسية السعودية، لم تتغير، فقد انتقلت من دعم مليشيا الحوثي التي أسقطت صنعاء، إلى دعم تكوين مليشيات محلية أخرى في جنوب اليمن وتعز والساحل الغربي، وكانت الإمارات، كما هي دائما، أداتها العسكرية في إنشاء وتكوين وحماية تلك المليشيات، وقد عملت تلك المليشيات؛ الحزام الأمني والنخب الحضرمية والشبوانية وكتائب أبوالعباس بتعز وقوات طارق في المخا، على تقويض سلطة الشرعية في المناطق المحررة، والحلول محل الجيش الوطني التابع للشرعية والممثل العسكري الشرعي للجمهورية اليمنية.

 لقد حاولت السعودية إدارة الازمة العسكرية والسياسية في اليمن، بأسلوب الدول العظمي؛ الفوضى الخلاقة، ولأنها ليست دولة عظمى، فشلت في إدارة الازمات التي تسبب بها، والمليشيات التي تدعمها، وكل مرة تدعم فيها أو تخلق فيها مليشيا، تخرج تلك المليشيا من يدها؛ مليشيا الحوثي، وتذهب جاهزة باتجاه خصم لها، كإيران، أو تصبح مطية سهلة، مثل الحزام والنخب وأبو العباس وطارق، لحليف مليشاوي إقليمي؛ الامارات هنا.

 من هذا السياق يمكن فهم لماذا طالت الحرب في اليمن؟ ولماذا فشلت السعودية في احراز انتصار حقيقي ضد إيران في اليمن؟ ولماذا لم تسطع تحرير الحديدة؟ لكن الأهم هنا، كيف ساهمت في افشال فرص السلام؟ خصوصا مشاورات جنيف الأخيرة منها، فليست مليشيا الحوثي فقط من أفشلت مفاوضات جنيف، الحوثي طرف أسهم بشكل مباشر، نعم، لكن السعودية كانت لها اسهامات غير مباشرة في افشال جنيف الثالثة.

  لقد عملت السعودية عسكريا وسياسيا واقتصاديا، على جعل الشرعية طرفا سياسيا ضعيفا أمام العالم، وساهمت بذلك في جعل مليشيا الحوثي، سلطة أمر واقع، معترف بها بشكل غير مباشر من قبل المجتمع الدولي، ومن هنا فان السعودية تتحمل مسؤولية وصول السلام إلى هذا المستوى من الضعف والفوضى، فلو كانت الشرعية قوية ولها جيش وطني قوي في المناطق المحررة، ولو كانت أجهزة الامن التابعة للشرعية هي من تدير المناطق المحررة، ولو عملت السعودية على تفعيل الموانئ التي بحوزة وكيلها الإقليمي؛ الامارات، لما وصلت المناطق المحررة إلى هذا المستوى الكارثي من انهيار الريال وارتفاع الأسعار، ولو كان قرار المعارك العسكرية بيد الجيش الوطني في الحديدة، لكانت مليشيا الحوثي تفاوض مرغمة على الحفاظ على ما تبقى بيدها من المناطق.

  لا نية لمجلس الأمن في تنفيذ قراراته ضد معرقلي التسوية السياسية في اليمن، وكل ما يتم الآن، يشير إلى الاستمرار في دعم مليشيات في الجنوب والوسط ضد مليشيا في الشمال، في ظل جمود الإرادة الوطنية لدى ممثلي الشرعية، مما يعني وجود توجه إقليمي برغبة دولية في إبقاء اليمن تحت “الفوضى الخلاقة”، وليس تحت بند “الفصل السابع”، من قرارات مجلس الأمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى