اليمني.. وعقدة الرقص على وتر الأجنبي!

محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: نوفمبر 28, 2018

  “إنّ أسوأ رقص هو الرقص على وتر العدو، فاصنعوا موسيقاكم”..

 لا أتذكر من كتب هذه المقولة، لكنها ربما تعبّر بحق عن حالنا نحن اليمنيين، الذين نجد أنفسنا تائهين في نفق السياسة ودرب الحرب ومتاهة السلام، وما أخافه هو أن يصل حالنا إلى ما وصل إليه الفلسطينيون الذين؛ بتعبير سفير إسرائيل في واشنطن، رون ديرمر، لم تعد الدول العربية ترقص على لحنهم.

فعلى مدى سنوات من الثورة، ثم الانقلاب عليها، ثم الحرب على الانقلاب، تحول الصراع الى استقطاب إقليمي داخل اليمن، بحيث أصبحت المناطق المحررة تحت الوصاية السعودية و”الإحتلال الإماراتي غير المعلن”، في الوقت الذي تدار فيه المناطق الخاضعة لمليشيا الحوثي من قبل طهران.

ما الذي جرى لتصل اليمن إلى هذا المستوى من الانهيار؟ لا يخرج الأمر من كوننا المدافعين عن فكرة استعادة الدولة تحديدا، لم نصنع لنا رقصتنا الخاصة بنا، لم نؤلف نوتتنا المعبرة عن كينونتنا، لم نعزف على وتر اليمن المنشود، كان يمكن لنا، ونحن نطلب الدعم من جيراننا، أن نحافظ على رقصتنا الوطنية، لكننا فضلنا العزف على وتر الرياض وأبوظبي، بدل العزف بوتر اليمن.

 تلك هي أكبر جريمة ارتكبناها بحق أنفسنا وبحق بلدنا، لقد رهنت نخبتنا الممثلة بالشرعية، يمننا كله في يد السعودية والإمارات، تلك النخبة وهي تستجدي العون لإنقاذ اليمن من الانقلاب المدعوم من إيران، لم تذهب بصفتها الوطنية المعبّرة عن دولة ذات سيادة تطلب مساعدة من دولة أخرى، بل قدمت نفسها ككيان تابع، وأوكلت للمنقذ فعل كل شيء، بما فيه الرقص بدلا عنا، في معارك الحرب أو جولات السياسة.

وماذا كانت النتيجة.. اليمن ذلك الكيان الحضاري العظيم، ينام مسترخيا في فنادق الرياض، أو يرقص في مسارح أبوظبي، بينما تلهو الرياض عسكريا في المهرة وحضرموت وسقطرى، وتطرب أبوظبي في عدن وشبوة والساحل الغربي والحديدة.. ما هي مشكلتنا إذا؟ هل نحن لا نجيد الرقص؟ أم نسينا رقصتنا الوطنية؟! أم أن الأمر له علاقة بعقدة اليمني الأزلية، من الغريب والأجنبي والجار، إنه ينسى ذاته من أجل غيره، يفقد الاعتزاز بهويته أمام هويات الآخرين، هذه العقدة أضحت ظاهرة ملحوظة بشكل ملفت، لننظر إلى اليمنيين المغتربين في بلدان العالم، كل يمني يخلع هويته في أول مطار أجنبي، ويحاول تقليد هويات البلد الذي يغترب فيه، ألا نرى مثلا؛ العقالات التي تعتلي رؤوس اليمنيين في السعودية، استبدال العقل اليمين بالعقل الفرعوني في مصر .. الخ

لقد رقص المخلوع صالح على رؤوس الثعابين، بدل أن يرقص رقصة يمنية تنقذه وتنقذ اليمن، ولأن هادي لا يجيد رقصة صالح، فضل أن يقلد رقصات خليجية، أوردت اليمن طريق التبعية المذلة، وهكذا كل كيان يمني اختار رقصة غيره، وفي نهاية المطاف تلك هي مشكلة اليمني؛ النخبوي تحديدا، تكمن في عدم احترامه لهويته الوطنية، لثقافته الحضارية، لبلده الذي تركه في أول لحظة حرب، وأول طلقة رصاصة، ثم يشكو بعد ذلك من هذا “اليمن” الذي لم يعد له، ولا أدري نحن المنفيين خارج اليمن، كيف سنقنع العالم باحترام بلدنا، والانتصار لقضيتنا، ونحن نخجل من أن نعبّر عنه، ونستحي من أن نرقص رقصتنا الخاصة، كيف سيقف معنا العالم ضد عدونا ونحن نعزف على وتره؟!

 تكمن الخلاصة، في أن الحوثي قرر، نكاية بنا، الرقص على مذهب إيران، وقررنا نحن، نكاية به، أن نرقص الـ”عرضة” السعودية والـ”عيالة” الإماراتية، ولا طريق لنا لننجو إلا بصنع موسيقانا الخاصة بنا، باحترام رقصتنا اليمنية، بأن نكون يمنين.. وكفى.