الوجه الآخر للانقلاب

 محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: أغسطس 15, 2018

   الانفصال شبيه الانقلاب، إن لم يكن الوجه الآخر له، هذا ما أثبتته وقائع السنوات الماضية من أحداث في عدن والمناطق الجنوبية، وما أكدته التحركات المتطرفة لفصيل من الحراك، الذي يعرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي، وهذا أيضا؛ وهو الأهم، الدرس الذي وعته الحكومة الشرعية؛ وإن بشكل متأخر، الدرس المكلّف الذي مفاده، أن الدعوة المتطرفة لانفصال الجنوب، هي الوجه الآخر لانقلاب الشمال، بل إن الانفصال والانقلاب، جزءان من بعض، وكل يكمل الآخر وليس فقط شبيه به، والانقلاب في صورة منه انفصالا، كما كان أن الانفصال في صورة منه انقلابا.

  لقد قام انقلاب الشمال، على رؤية انفصالية عن الاجماع الوطني الذي حدث في مؤتمر الحوار الوطني، وتمثل الاجماع في مخرجات الحوار التي نصت على قيام دولة اتحادية، لا تعتمد الوحدة ولا الانفصال القسريين، وتعيد الدولة الاتحادية تعريف السلطة والثروة، وفقا لجغرافيا المجتمع، لا لسياسية النظام، وشبيه به، كان “الانفصال الحراكي المسلح” فقد مثّل رؤية انفصالية عن مخرجات الحوار، واجماع اليمنيين على دولة اتحادية، وفي ذات الوقت كان الانفصال، رؤية أحادية تغرد خارج سرب الحراك السلمي، حيث اعتمدت أغلب قوى الحراك الجنوبي، الطريق السلمي لنيل المطالب، وحتى الانفصال كان بعض الجنوبيين يريدون تحقيقه عبر أطر سلمية متدرجة، إلا أن الحراك المتطرف، سلكه عبر “الانقلاب بالسلاح” في عدن، وهو  ما عرف بالانقلاب الثاني على الشرعية في عدن.

 من ضمن الأمور الجامعة بين الانقلاب والانفصال، هو الاتكاء على الدعم الخارجي، فاذا كانت مليشيا الحوثي من أجل تنفيذ مشروعها الانقلابي على السلطة المعترف بها دوليا والمنتخبة من الشعب، استدعت إيران، التي قامت بدعم الحوثي عسكريا ولوجستيا، فإن الحراك الانتقالي، عمل لأجل تنفيذ مشروعه الانقلابي على الشرعية، بالارتهان للأجندة الإماراتية التي أنشأت له مليشيا مسلحة، حولت عدن من عاصمة مؤقتة لليمن، إلى مدينة اشباح وخوف واغتيالات.

 الانفصال كالانقلاب، في خروجهما عن المرجعيات المعلنة والمجمع عليها إقليميا ودوليا، وهي المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني والقرار الأممي 2216، ويلاحظ أن جماعة الحوثي والمجلس الانتقالي الجنوبي، لا يعترفان بالشرعية، ولا بالرئيس هادي، ونفذا انقلابين، الأول في صنعاء والثاني في عدن، كما أن الطرفان يمتلكان مليشيات مسلحة ارتكبت بحق اليمنيين الكثير من الجرائم والانتهاكات بحقوق المواطنين، بغض النظر عن أيهما أكثر جرما من الآخر.

الملاحظ أيضا أن دعاة الانقلاب ودعاة الانفصال، أداة من أدوات الثورة المضادة، المعادية لتطلعات الربيع العربي من دولة ديمقراطية ومدنية، ومواطنة متساوية، والفارق بينهما، أن مليشيا الحوثي أداة بيد الثورة المضادة للربيع العربي التي تقودها إيران، بينما مليشيا المجلس الانتقالي أداة بيد الثورة المضادة للربيع العربي التي تقودها الإمارات والسعودية، والطرفين؛ أي الحوثي والمجلس الانتقالي، مارسا اعتقالات واغتيالات واختطافات، بحق رموز من ثورة فبراير والمقاومة الشعبية.

 وطوال تاريخ وجودهما، في السنوات الماضية، ظهرت الكثير من الدلائل على التنسيق بين مليشيا الحوثي والمجلس الانتقالي، بل أكدت الكثير من الوقائع على شحنات سلاح كانت تذهب من المناطق المحررة إلى صنعاء، في تواطؤ واضح لإطالة الحرب واضعاف الشرعية، العدو المشترك للطرفان.

 في كل الأحول، فان الخطأ الذي وقع مع مليشيا الحوثي، هو دخولها من البداية مؤتمر الحوار الوطني، دون اشتراط لترك سلاحها، وهو الخطأ الذي اعترف به رئيس الوزراء أحمد بن دغر، في كلمته التي ألقاها خلال مؤتمر مرجعيات الحل السياسي، الذي عقد أمس في الرياض، ولا ننسى أن هذا الخطأ الذي أرتكب من قبل الشرعية، كان مقصودا من دول خليجية ودولية.

 لقد أنتج هذا الخطأ، كارثة كبيرة في اليمن، وهي كارثة الانقلاب، الكارثة التي أنتجت بدورها دعوات الانفصال المتطرقة، التي أضحت تعيق الآن تثبيت تواجد الشرعية في الجنوب، لكن الأهم الآن، هو عدم تكرار خطأ صنعاء في عدن، فيجب رفض أي حوار مع مليشيات الحراك الانفصالي، بدون ترك سلاحها، والاعتراف بالشرعية، والانصياع لمرجعيات الحل السياسي في اليمن، وهي المرجعيات، التي للأسف ترعاها دول التعاون الخليجي علنا، وتتآمر عليها في ذات الوقت، حيث قامت السعودية والإمارات، بدعم مليشيات الحراك المتطرفة.

  يجب البناء على كلمة رئيس الوزراء، في مؤتمر مرجعيات الحل السياسي، الذي أشار فيها إلى أن الانفصال لا يقل خطورة عن الانقلاب، وأن مليشيا المجلس الانتقالي تساوي مليشيا الحوثي، وهذا تعريف واضح وصريح للمشكلة التي تعيشها الشرعية في صنعاء وعدن، وبدون حل مشكلة دعوة الانفصال المسلح في عدن، التي يجب مواجهتها بحزم كطريق لمواجهة مليشيا الحوثي، فإن اليمن ستظل في دوامة خطيرة، لأنه لا يمكن مواجهة مليشيا الحوثي بمليشيا مضادة وشبيه لها، بل جيش وطني وشرعية قوية ومتماسكة.

  كانت اليمن، واضحة في مؤتمر المرجعيات، عندما أكدت للعرب المجتمعين في المؤتمر، بأن سكوتهم، أو حتى دعم بعضهم، لسياسية التقسيم في اليمن، ستكون نتائجه كارثية ليست على اليمن فقط، بل على الوطن العربي كله، فتقسيم اليمن إلى دويلات، سيكون مقدمة لتقسيم الدول العربية؛ المنقسمة أصلا، خصوصا إذا ما أتى هذا التقسيم برعاية عربية، وبتقديري، كان التحذير اليمني، بلسان بن دغر، رسالة ضمنية للتحالف العربي، الذي رعى تكوين مليشيات انفصالية في المناطق المحررة.

  ما يمكن التأكيد عليه، أن الشرعية، نظريا، أرست إطارا نظريا لحل المشكلة اليمنية، للإقليم والعالم، يعتمد هذا الإطار، على أنه ليس فقط مليشيا الحوثي من هو خارج مرجعيات المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني والقرار الأممي، بل أيضا مليشيات الانفصال، وكل مليشيا تتكون ولا تؤمن بتلك المرجعيات، وهي إشارة ضمنية وتحذيرية إلى أن كل من يدعم جماعات ومليشيات خارج إطار هذه المرجعيات، هو متمرد أيضا إقليميا ودوليا..

 وعلى هذه الرسالة أن تصل للعالم، فاليمن قد يكون ضعيفا، لكن ذلك لا يعني أنه صيدا سهلا، إنه يمرض ويتعافى، ومرضه وعافيته من النوع المعدي، ينتقل بقوة وسرعة نحو الجميع، ضعفا أو قوة.