الهجوم على منشأة بقيق النفطية .. تطور عسكري يضع السعودية أمام مفترق طرق في اليمن

اليمن نت - تقدير موقف
المجال: أخبار, تقارير التاريخ: سبتمبر 14, 2019

يشكل هجوم الحوثيين الأخير يوم السبت 14 سبتمبر على معملين تابعين لـ “شركة أرامكو النفطية”، في محافظة بقيق ومدينة هجرة خريص السعودية، تحولاً جديداً في مسار الهجمات الجوية على السعودية والتي تشنها جماعة الحوثي المدعومة من إيران، وتعد العملية التي أسماها الحوثيون “توازن الردع”، هي الأكبر منذ اندلاع الحرب قبل أربع سنوات، وتشير إلى تراجع كبير في قدرات الدفاع والردع السعودية.

المتحدث العسكري لجماعة الحوثي، العميد يحيى سريع، أوضح أن الهجوم تم باستخدام 10 طائرات مسيرة وأدى إلى إحداث أضرار كبيرة في المنشآت المستهدفة، وأكد أنها “أكبر عملية تجريها الجماعة داخل المملكة بعد رصد دقيق وتعاون مع شرفاء في داخل السعودية، وتوعد بشن مزيد من الهجمات، مبيناً أن بنك أهداف الهجمات في السعودية يتسع، بفضل المعلومات الاستخباراتية الدقيقة وتعاون الشرفاء داخل المملكة.

وأكدت وكالة “رويترز” تعطل جزء كبير من صادرات النفط السعودي بعد الهجوم الحوثي على منشأتي أرامكو؛ في منطقتي بقيق وخريص السعودية، ونقلت عن مصادر لها أن الهجوم يؤثر على إنتاج 5 ملايين برميل يوميا من الإنتاج النفطي، فيما كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن منشأتا أرامكو المستهدفتان في منطقتي بقيق وخريص، تنتجان 8 ملايين برميل نفط يوميا ما يشكل غالبية إنتاج السعودية.

ويرى مراقبون أن هذا التطور الكبير في قدرات الحوثيين العسكرية، سيضع السعودية أمام مفترق طرق في اليمن بين الاستسلام لضربات الحوثيين والرضوخ لمفاوضات مباشرة، أو الدفع نحو تصعيد عسكري قد لا يخلصها من العواقب الكارثية لطول أمد الحرب، في ظل انشغال حليفتها الإمارات بالسيطرة على جنوب اليمن، وترك الرياض تلاقي مصيرها أمام الحوثيين وطهران.

المبعوث الأممي الخاص باليمن “مارتن غريفيث” وصف الهجوم بأنه مقلق، واعتبر أنه يهدد العملية السياسية في اليمن.

أهمية وتأثير الضربة

منشأة “بقيق” النفطية التابعة لشركة “أرامكو” السعودية، تعد أكبر منشأة لمعالجة النفط في المنطقة، وتبعد نحو 75 كم جنوب مدينة الدمام، وتُعد من المدن الهامة بالمنطقة، متوسطة الطريق بين الدمام و الأحساء شرقي المملكة، وخلال العام الفائت 2018م عالجت منشأة بقيق حوالي 50% من إنتاج شركة أرامكو من النفط الخام، أي نحو 1.85 مليار برميل من النفط الخام، بواقع (5.150 ملايين برميل يوميا.

وبحسب تقارير سعودية تعد منشأة بقيق أكبر مرفق لمعالجة الزيت وتركيز النفط الخام في العالم أيضاً؛ وهي المركز الرئيس لمعالجة النفط الخام العربي الخفيف والخفيف جداً، بطاقة إنتاجية تزيد عن 7 ملايين برميل في اليوم، وتنفذ فيها ثلاثة أعمال معالجة رئيسية تشمل معالجة النفط الخام، ومعالجة سوائل الغاز الطبيعي، ومعمل المنافع المساندة، وتمثل أحد الرواد العالميين في مجال معالجة المواد الهيدروكربونية.

وتتلقى مرافق النفط في بقيق النفط الخام المركب من معامل فرز الغاز من النفط لتعالجه وتحوله إلى نفط خام، ثم تنقله إلى رأس تنورة والجبيل على الساحل الشرقي، وإلى مدينة ينبع على الساحل الغربي، وترسل الغاز المنبعث كمنتجات ثانوية من الخزانات شبه الكروية وأعمدة التركيز كجزء من عملية التحويل، إلى مرافق سوائل الغاز الطبيعي في بقيق لإخضاعها لعمليات معالجة إضافية.

وتمثل معامل “بقيق” أهمية دولية بخلاف إمداداتها الآمنة لسوق الطاقة العالمية، فهي- من ضمن ما تتميز به- تربط المملكة بالبحرين عبر خط أنابيب النفط الخام الذي جُدد مؤخراً بسعة قصوى تصل إلى 350 ألف برميل يومياً، وبطول يبلغ 110 كم تشمل ثلاثة أجزاء، جزء بري سعودي بطول 42 كم، وآخر بحريني بطول 28 كم، بالإضافة إلى جزء بحري تحت الماء بطول 42 كم، ويربط بين معامل “بقيق” السعودية ومصفاة “باكو” البحرينية.

وكشفت “أرامكو” في تقارير سابقة أن الاحتياطات زادت في حقل بقيق بأكثر من 13.5 مرة، من عام 1944 عندما بدأ الإنتاج في الحقل إلى 2018، فيما بلغت نسبة استبدال النفط الخام العضوي ومكثفات الاحتياطيات بناءً على احتياطيات المملكة 104% على أساس متوسط مدته ثلاث سنوات من 2016 إلى 2018.

ومن هنا تبرز أهمية الضربة التي تبنتها جماعة الحوثي، والتي جاءت في وقت كان يجري الحديث فيه عن مفاوضات مباشرة بين الحوثيين والسعودية، في سلطنة عمان وبرعاية الولايات المتحدة الأمريكية، لكن تداعيات هذا الهجوم قد تكون عكسية وتدفع نحو مزيد من التصعيد العسكري في اليمن، وفتحت الباب أمام أسئلة كثيرة عن مدى قدرات الحوثيين مستقبلا، وطريقة السعودية في التعامل مع تلك الهجمات.

مواقف الحلفاء بين الإدانة والإشادة

الولايات المتحدة الأمريكية، اكتفت بإدانة الهجوم ونقل حساب السفارة الأمريكية في الرياض على تويتر، عن السفير الأمريكي لدى السعودية “جون أبي زيد”، إدانة الولايات المتحدة بشدة الهجمات التي نفذتها طائرات مسيرة على منشأتي نفط في محافظة بقيق وهجرة خريص، وقال “أبي زيد” إن هذه الهجمات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية والتي تعرض المدنيين للخطر تصرف غير مقبول، وستفضي عاجلا أم آجلا إلى فقدان أرواح بريئة، وهو موقف ضعيف لم يرقى لحجم الحدث.

بدوره أشاد “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، بهجوم الحوثيين، في تغريدة على حساب سليماني في تويتر، اشتملت على وسم (هاشتاج) أرامكو، أشاد فيها بصمود الحوثيين، وهي المرة الأولى التي يبدي فيها الجنرال الإيراني الأكثر جدلا موقفا علنيا من هجمات الحوثيين، على الرغم من أن الرجل هو يد إيران القوية، ويدير كل الميليشيات الموالية لطهران في المنطقة العربية.

ويأتي هجوم الحوثيين على بقيق وخريص في أعقاب أشهر من هجمات عبر الحدود على مرافق نفطية سعودية وعلى ناقلات نفط في مياه الخليج، وأصاب الحوثيون حقل الشيبة النفطي الشهر الماضي ومحطتي ضخ في مايو أيار، وأشعل الهجومان حرائق لكنهما لم يتسببا في تعطل الإنتاج.

ومطلع الأسبوع الماضي أطاح الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود، بوزير الطاقة خالد الفالح، الذي يدير شركة أرامكو أيضا، وتعيين الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود خلفا له، لتكون المرة الأولى التي يدير بها أحد أفراد العائلة المالكة وزارة الطاقة، بينما تستعد شركة أرامكو العملاقة التابعة للدولة لطرح عام أولي لحصة من أسهمها قريبا ربما هذا العام.

وتصاعد التوتر في المنطقة خلال الشهور الأخيرة بعدما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم مع إيران وجددت العقوبات الاقتصادية عليها، وتتهم السعودية التي تقود تحالفا تدخل في اليمن عام 2015 ضد الحوثيين، إيران بالمسؤولية عن هجمات الحوثيين وتسليحهم، وهو ما تنفيه طهران وجماعة الحوثي.