المهاجرون الأفارقة في اليمن والثمن الباهظ للوصول للسعودية

عكست موجة السخط الشعبي في مواقع التواصل الاجتماعي في اليمن مؤخراً من خبر تأسيس مركز لإيواء المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين في مدينة إب/وسط، ما يعانيه هؤلاء المهاجرون الذين اختاروا هذا البلد محطة عبور للسعودية. فبالإضافة إلى ظروف الحرب والأزمة الإنسانية ما زالت ثمة ثقافة مجتمعية تنظر لهم بتمييز وتجاهل لما يتعرضون له من انتهاكات في معسكرات الاحتجاز.

وذهب البعض إلى اعتبار تأسيس مركز الإيواء جزءًا من مخطط الحرب لاستخدام وتجنيد الأفارقة لاحقاً، فيما ربط بعضهم بين هذا المركز وبين معاناة اليمنيين، وتسألوا كيف يمكن إيواء هؤلاء المهاجرين فيما يتم تجاهل معاناة أكثر من ثلاثة ملايين يمني نازح داخلياً؟ مشيرين إلى أن محافظة إب من أكثر المحافظات استقبالاً لهؤلاء النازحين، وبالتالي كيف تكون هذه المحافظة مركزاً لإيواء هؤلاء المهاجرين وهي ترزح تحت وطأة نازحين يمنيين؟ ملقين بعدد من علامات الاستفهام حول الهدف من تأسيس هذا المركز.

وكانت السلطة المحلية في محافظة إب، وهي ضمن المحافظات الخاضعة لسلطة جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) أعلنت، مؤخراً، عن وضع حجر الأساس لمركز لإيواء المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين في مدينة إب بالتعاون مع منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة، التي لم تصدر بياناً حول هذا المشروع حتى كتابة هذا التقرير.

ورداً على تلك الموجة من الانتقادات صرح نائب وزير الخارجية في حكومة سلطة “أنصار الله” (الحوثيين) حسين العزي، أن هذا المركز هو واحد من ثلاث نقاط تجمع مؤقتة تم تحديدها بالتعاون مع منظمة الهجرة الدولية في كل من محافظات صعدة وعمران وإب، وسيتم فيها تجميع المهاجرين غير الشرعيين تمهيدًا لترحيلهم، وفق منشور له على موقع “فيسبوك”.

ويأتي هذا في الوقت الذي تشدد فيه السلطات اليمنية من إجراءات المتابعة والملاحقة والاعتقال بحق المهاجرين الأفارقة الذين معظمهم أثيوبيون وصوماليون.

وعلى الرغم من الحرب التي يشهدها اليمن ما زال هذا البلد يستقبل أعداداً كبيرة من المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين الذين يقطعون طريقًا طويلًا يتعرضون فيه لكثير من المخاطر في البر والبحر ومع المهربين إلى أن يصلوا إلى اليمن، لكن من ينجو من الغرق في البحر يلاقي متاعب أخرى من خلال ما يعانوه في معسكرات تجميعهم، كما كان لهم مؤخراً في معسكرات التجميع في عدن ولحج وغيرها، والتي مات فيها أعداد ليست بالهينة منهم نتيجة الجوع والمرض والإهمال في الرعاية.

ويعدّ اليمن أقصر الطرق بالنسبة للمهاجرين الأفارقة للوصول إلى بلدان الخليج العربي وتحديداً السعودية، ولمعاناتهم هناك قصة أخرى من الألم، لكن هناك مَن المهاجرين من ينجح في الوصول والفوز بفرصة عمل أو الهجرة إلى أوروبا؛ وهي الفرص التي تمنح في المقابل أملاً لأعداد أخرى في بلدانهم ما يضطرهم للمخاطرة وركوب طريق الموت هرباً من الجوع، حتى وهم يعرفون أن اليمن لم يعد الذي كان قبل الحرب.

ووفق بيان لمنظمة الهجرة الدولية في حزيران/يونيو الماضي فإن المهاجرين غير الشرعيين يعبرون في هذا المسار طرقاً وعرة وصحاري خطرة عبر جيبوتي وصولاً إلى الصومال، ومنها يصعدون على متن قوارب مكتظة ومتهالكة مقابل مبلغ من المال.

وأشار إلى أنه “في الصومال تبدأ الأزمة، فهناك يتعرضون لسوء المعاملة والابتزاز والاغتصاب وحتى القتل”.

وقال مسؤول في المنظمة “هناك أكثر من 7000 مهاجر فقير يأخذون تلك الرحلة الخطرة كل شهر، وبلغ عدد من خاضوها العام الماضي 100.000 شخص”.

ومنذ عقود ما زال مهاجرون ولاجئون يسافرون إلى اليمن من القرن الأفريقي، بسبب قرب المسافة، ولأن هذا البلد – في نظر المهاجرين – هو بوابة إلى دول الخليج الأخرى، وأوروبا.

وكان اليمن قبل الحرب لا يفرض قيوداً كبيرة على هؤلاء المهاجرين، الذين كانوا يتمتعون بحقوق تتيح للكثير منهم فرص العمل في الزراعة أو غيرها من المهن، بل منهم من تم توطينه من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وصاروا يحصلون على مرتبات شهرية ومستقرون هناك قبل أن يدخل اليمن في أتون أزمة إنسانية هي الأسوأ عالمياً وفق تصنيف الأمم المتحدة، وهذه الأزمة الناتجة عن حرب ضروس بين بيادق محلية وقوى إقليمية؛ انعكست معاناة إضافية على المهاجرين الأفارقة الذين أصبحوا يلقون ملاحقة شرسة من السلطات هناك، ويتعرضون لانتهاكات جسيمة.

وأفادت تقارير حقوقية دولية أنه تم منذ أواخر نيسان/ابريل اعتقال حوالي خمسة آلاف مهاجر أفريقي غير شرعي في ثلاثة مواقع: ملعبان لكرة القدم في محافظتي عدن وأبين ومخيم عسكري في محافظة لحج. وتحدثت تقارير حينها عن وضع مأساوي عاشه المهاجرون هناك متمثل في منحهم وجبة زهيدة واحدة يومياً في ظل غياب لدورات الصرف الصحي وأماكن إيواء ملائمة ما عرضهم للأمراض والأوبئة التي تسببت بموت بعضهم.

واتهمت منظمة “هيومن رايتس وواتش” حينها مسؤولين في السلطات اليمنيّة المعترف بها دولياً بعدن بارتكاب انتهاكات بحق المهاجرين الأفارقة منها الاحتجاز التعسفي والتعذيب واغتصاب نساء وأطفال منهم.

وعلى الرغم من أن حقائق مشروع تأسيس مراكز إيواء وتجميع لهؤلاء المهاجرين بالتعاون من منظمة الهجرة الدولية في اليمن ما زالت غامضة لاسيما وأنه لم يعلن عن مشروع مماثل في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية كما لم تعلن صنعاء والمنظمة الدولية تفاصيل أشمل عن المشروع، ما يضطر المتابع لاعتبار هذه المراكز عاملا آخر يضاعف من معاناة هؤلاء المهاجرين الذين يتم اعتقالهم في ظروف حرب وفقر وتعدد مستويات اتخاذ القرار الأمر الذي سيشكل تهديدًا إضافياً لحيواتهم تحت نير مزيد من الانتهاكات لحقوقهم، ما يستدعي مزيداً من الشفافية من المنظمة الدولية في التعامل مع ما يتطلبه واقع هؤلاء المهاجرين هناك والتزام تطبيق قرار عودتهم الطوعية وضمان حفظ كرامتهم ورفاههم تحت مظلة الاتفاقيات الدولية التي ترعاها منظمة الهجرة الدولية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وغيرها من الاتفاقيات التي ترعى حقوق المهاجر واللاجئ في ظروف الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى