المليشيات وقانون الزكاة الكارثة

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: مايو 6, 2019

خلال الأيام القليلة الماضية، واستباقا لمقدم شهر رمضان المبارك، شهدت السلطتان التنفيذية والتشريعية في دولة الحوثيين بصنعاء حراكا كبيرا لم تشهده صنعاء من قبل منذ عقود، هذا الحراك دفع مجلس النواب إلى استمرار جلساته حتى مع مقدم شهر رمضان، متنازلا عن إجازته المعتادة، والتي دائما ما يأخذها الأعضاء قبل مقدم الشهر الفضيل بأسابيع.

لاتذهبون بعيدا بخيالكم في تفسير ذلك الحراك، فالحراك الذي شهدته سلطتا الحوثي التنفيذية والتشريعية ليس له علاقة بوقف الحرب الظالمة التي بسببها دفع اليمنيون ضريبة قاسية من دمائهم وأرواحهم، ولايمت بصلة إلى رفع المعاناة عن المواطنين الذين تسبب الحوثيون في ارتفاع معدلات الفقر، وتوسيع دائرة الجوع في أوساط المواطنين، فذلك ما لم ولن يفكر فيه الحوثيون، بل على العكس؛ فإن ذلك الحراك يرتبط ارتباطا وثيقا بزيادة المعاناة، وتشديد الخناق على المواطنين.

إن الحراك الذي شهدته صنعاء واستنفرت لأجله سلطتا الدولة التنفيذية والتشريعية هو إقرار مشروع قانون الزكاة، الذي تولى إعداده المجلس السياسي وفق رغبات الجماعة، وليس وفق الشرع الحنيف وما تتطلبه المرحلة التي تجرع فيها المواطن اليمني ويلات الجوع والفقر والموت.

فمع دخول شهر رمضان، والذي عادة ما ترتبط به الزكاة المشروعة بأنواعها كل عام، عمدت الجماعة إلى ابتكار مشروع قانون أقل ما يقال عنه “كارثة” يعطيهم الحق في نهب أموال الناس من حلها ومن غير حلها، دون رقيب أو حسيب.

ففي عشية وضحاها أعد مختصو الجماعة مشروع قانون الزكاة، بعد أن شكلوا هيئة عليا للزكاة فصلوها على أنفسهم، ثم توجهوا بذلك المشروع إلى مجلس النواب، بعد أن مر مرور الكرام على حكومة ابن حبتور دون أن يكون لها حق النقاش أو الاعتراض على أي من مواده.

وبالمثل فإن مجلس النواب الذي أجبر على البقاء في حالة انعقاد خلال شهر رمضان المبارك حتى إقراره، ماكان له حق الاعتراض على أي من تلك المواد التي استهدفوا بها القضاء على آخر رمق لدى المواطنين، فقد أحال مشروع القانون للجنة المختصة، لإضفاء الشرعية على قراراته، وإن كانت الحقيقة أن المشروع بات في حالة إقرار منذ أعدته الجماعة، إلا أنهم يريدون بجرائمهم أن تشرعن عبر مجلس النواب، خاصة وأن الأخبار الواردة من مجلس النواب تؤكد أن محمد علي الحوثي عضو المجلس السياسي ورئيس اللجنة الثورية العليا بات حالّاعلى رأس البرلمان حتى إقرار المشروع!.

وبحسب مطلعين، فإن مشروع القانون الكارثة لم يستهدف التجار ورجال الأعمال والشركات والمؤسسات وحسب، وإنما استهدف كل فئات الشعب بما فيهم الموظفين والمواطنين العاديين.

فقد اشتمل مشروع القانون الكارثة على مواد تجيز للمليشيات حق فرض الزكاة على كل شيء يمتلكه المواطن، سواء للتجارة أو امتلاكا شخصيا، فقد فرضت المليشيات الزكاة بموجب هذا القانون على التراب الذي يمشي عليه المواطن، والهواء الذي يستنشقه، والماء الذي يشربه، والأكل الذي يأكله! دون مراعاة لحرب، أو معاناة بلغت مبلغا غير مسبوق عالميا، شهد بها العالم كله.

فقد تضمن المشروع الكارثة فرض الزكاة على الأراضي المملوكة للمواطنين البسطاء، الذين باعوا كل مايملكون لشراء أرضية لإقامة منزل يضم أسرهم، وسواء كانت تلك الأرضية باقية دون بناء أو في مرحلة البناء، فالزكاة واجبة في كل الحالات.

كما تضمن المشروع الكارثة فرض الزكاة على أصحاب المهن الحرة والحرفيين وأصحاب البسطات في الشوارع وغيرهم، وأعطى المشروع الحق للمليشيات في استقطاع الزكاة مركزيا من مرتبات موظفي الدولة، الذين صودرت مرتباتهم منذ أكثر من ثلاث سنين!

وحتى المغتربين لم يستبعدهم ذلك المشروع الكارثة، فقد تضمن المشروع فرض الزكاة على أموالهم الموجودة خارج الجمهورية، ولست أدري كيف سيعرفون حجمها؟ وكيف سيتسلمونها؟! إلا إذا كانت المليشيات تخطط لابتزاز المغتربين عبر ملاحقة أسرهم والتضييق عليهم!.

وقد تعمد هذا المشروع احتكار أموال الزكاة التي سيتم تحصيلها في هيئة كل موظفيها من المليشيات، ما يعني حرمان السلطة المحلية الممثلة بالمحافظين والمجالس المحلية في المديريات مليارات الريالات كانوا يتحصلونها سنويا من الزكاة، وهذا يعتبر إجراء غير مسبوق، وما كان له أن يتم في حكومات سابقة، فالمحتفظون كانوا يرون في ذلك حقا شرعيا لهم، ومصدرا من مصادر الثراء الفاحش لهم ولأسرهم.

وربما الأدهى والأمر أن الحكومة التي باركت سحب تلك المليارات عن المحافظات، بدلا من الدفاع عن المواطن، عمدت إلى إيجاد مصادر بديلة لتعوض بها المليارات التي صادرتها قسرا المليشيات عن المحافظين، ولم تجد سوى ذلك المواطن “الكحيان” لتحميله المزيد من المعاناة، ولتفرض عليه الرسوم والأتاوات الجائرة التي تعجز عن حملها الجبال.

ويبقى المواطن هو الحامل لدولة المليشيات، فمن الغلاء غير المعهود الذي باركته المليشيات للتجار الجشعين، إلى غياب المرتبات، مرورا بتحميله مؤنة القيام بتكاليف الحرب الجائرة، وصولا إلى امتصاص ماتبقى من دمه تحت مسمى الزكاة، وتعويض المحافظين ليزدادوا ثراء على أكتاف المواطنين المغلوبين على أنفسهم. ألم أقل أنه القانون الكارثة؟