المصالحة الوطنية .. هل أصبحت ضرورة؟

اليمن نت -زيد اللحجي
المجال: مقالات التاريخ: سبتمبر 17, 2019

شكلت جماعة الحوثي في صنعاء الأسبوع الماضي لجنة أسمتها “لجنة المصالحة الوطنية” وأوكلت إليها؛ بحسب البيان الصادر عنها؛ مهمة لملمة الجراح، وجمع كلمة اليمنيين في مواجهة التحديات الخارجية، وتقديم الحل السياسي للصراع في اليمن الذي استمر لما يقارب الخمس السنوات، وأرد الحوثيون من خلال هذه اللجنة إرسال رسائل لمجلس الأمن والمجتمع الدولي بأن لديهم رؤية شاملة لإنهاء الحرب في اليمن، وما على المجتمع الدولي إلا إصدار قرار بالمصالحة اليمنية بدلا مما أسموه “دق طبول الحرب في اليمن وليبيا وسوريا والعراق”.

ومع ما قد تحمله المصالحة من خير، إلا أن معطيات الواقع تؤكد بالبراهين خبث نوايا الحوثيين، وزيف دعواتهم، وأن المصالحة التي أطلقوها لا تعدو كونها استهلاك إعلامي بحت، ولا يمت للحقيقة بصلة، فهم لازالوا يسفكون الدماء، ويزهقون الأرواح، ويغلبون منطق العنف والثأر والانتقام من خصومهم السياسيين الذين تحالفوا معهم في صنعاء، ويمارسون أبشع فنون القمع والكبت والاضطهاد والتسلط والإقصاء الوظيفي لأبناء المحافظات التي تحت سيطرتهم، فهل هذه بوادر للمصالحة الوطنية؟!

في تقديري على الحوثي أولا قبل أن يرفع شعارات المصالحة الوطنية أن يعترف بالآخر، ويقتنع حقيقة بأن الوطن ملكية مشتركة لجميع أبناء اليمن، وأن لاحق لأحد في التفرد بحكمه، وأن الشعب كل الشعب متساوون في الحقوق والواجبات، ومن حق أي يمني أن يصعد إلى كرسي الحكم بالانتخاب الديمقراطي، فلا حقا إلهيا لأحد، ولا وصاية دينية لأحد، ولا تمايزا سلاليا لأحد، ولا زعامة عرقية لأحد، فاليمنيون كل اليمنيين سواء أمام القانون، عندها يمكن أن يقال أنهم صادقون في دعواتهم.

ولكن؛ مع ما تبطنه هذه الدعوة الحوثية من خفايا مغموسة بسم زعاف لكل اليمنيين؛ ونية مبيتة لالتهام كل شيء؛ الأرض والعرض والثروة؛ وأنها لن تعدو أن تكون كمصالحة “الثعلب مع الحمار والأرنب” والتي انتهت لصالح الثعلب الماكر طبعا، إلا أنها تعد سابقة من نوعها عجز المجتمع الدولي عن تبني مثلها، أو إصدار دعوة مشابهة، على الأقل لإظهار نوايا حسنة يحسّن بها صورته القبيحة أمام الرأي العام اليمني والعربي، بدلا من أن يساهم في تأجيج الصراع، ويعين على سفك الدماء اليمنية.

صحيح أن دعوات المصالحة هذه التي أطلقها الحوثيون لم تكن سوى عملية استباقية لما قد تتمخض عنه التدخلات الأميريكية بعد إعلانهم الدخول في مفاوضات مباشرة مع الحوثيين لوقف الحرب في اليمن، إلا أنها دعوة حرية بالوقوف عندها، والبناء عليها، بما يحقق الخير ولونسبيا لليمن واليمنيين، خاصة بعدما وصلت إليه اليمن من حالات الانقسام والتشظي، وحالات عداء واقتتال، وبعد أن انكشف زيف الأشقاء، وخروج مخططاتهم التدميرية والتمزيقية إلى العلن.

فلقد أصبح اليمنيون اليوم؛ أكثر من أي وقت مضى؛ في حاجة ماسة لمصالحة وطنيه شاملة وحقيقية بين مختلف مكونات المجتمع، ليحدّوا من خلالها من إزهاق الأرواح، وسفك الدماء، وليحموا من خلالها وطنهم من غزاة الشر، ومخططات الاستعمار الجديد، خاصة بعد ما شهدته الساحة اليمنية مؤخرا من تشعب في الأحداث، واتساع في الأزمة، وتقاطع في المصالح، وتشابك في الأطماع، كل ذلك جعل اليمنيين يتطلعون إلى من يخرجهم من دوامة الصراع، ويوقف عنهم حمامات الدماء من النزيف، حتى وإن كانت تلك الدعوات من الثعلب نفسه.

لقد أثبتت السنين الماضية أن حل الأزمة اليمنية لن تتأتى إلا من خلال اجتماع اليمنيين على كلمة سواء، بعيدا عن التدخلات الخارجية، فهكذا قرار يحتاج إلى إرادة يمنية خالصة، دون ارتهان للخارج، أي كان الخارج؛ سعودي أو إماراتي أو إيراني أو غربي، فالمصالحة لن تكون إلا إذا استشعرت الأطراف اليمنية المتصارعة مسئوليتها الدينية والوطنية تجاه هذا الشعب الذي عانى كثيرا من صراعات القوى النافذة واللاهثة وراء السلطة.

فهل ستستغل هذه الدعوة من قبل الأطراف لبلورة رؤية حقيقية للحل؟ أم أنها ستتحصن وراء جدر أطماعها، وتتشبث ب “بشت” و “عمامة” داعميها، وتتنكر لليمن واليمنين؟