المتباكون على جلاء المحتل الإماراتي

في تاريخ 30 نوفمبر 1967م خرج أبناء اليمن في الشوارع يرددون هتافات النصر لجلاؤ آخر جندي من جنود الاحتلال الانجليزي عن عدن وأرض الجنوب، بعد أن قدموا القوافل من الشهداء في سبيل العيش بعزة وكرامة، وليبقى اليمني حرا على أرضه ووطنه، مع أن المحتل الأجنبي قدم لعدن ما عجز عنه أبناؤها في التاريخ القديم والحديث، فكانت ميناء عدن ثاني ميناء في العالم، لكنها الكرامة والعزة ورفض المحتل، هي من جعل اليمنيون يثورون، ويقتلعون جنود الاحتلال الأجنبي.

أولئك هم أبناء الجنوب اليمني في القرنين التاسع عشر والعشرين، الذين خرجوا ولم يخرجهم سوى حب الوطن، والكرامة والعزة والحرية، فخلدوا ذبك اليوم عيدا يحتفي به اليمنيون كل عام. أما اليوم وقد استفحلت في نفوس كثير من أبناء الجنوب شهوات حب الدرهم والدينار، واستحكمت في قلوبهم العبودية والعمالة، فقد رأينا كيف خرج عملاء المحتل يولولون ويبكون وينتحبون على جلاء المحتل الأجنبي، وكيف ذرفوا دموع التماسيح دما حزنا على فراقهم.

ولكن، لقد قرأنا في التاريخ محاسن ومساوئ المحتل الإنجليزي الذي كرسها في أرض الجنوب؛ وإن كان الاحتلال كله مساوئ؛ فما الذي قدمه المحتل الإماراتي لأبناء الجنوب حتى خرج أولئك ينتحبون على جنازير دباباته المغادرة الميناء؟

لقد كان المتباكون على جلاء الاحتلال الإماراتي يرون أن في بقائه خلاصا لليمنيين من الانقلاب الحوثي، وأن في هلاله الأحمر خلاصا لأبناء اليمن من الفقر والعوز والمرض. هكذا كانوا يرون، وهكذا يرى كل من غطت الدراهم الإماراتية على عينيه وقلبه وعقله. ولكن هل هذه هي الحقيقة؟

لو سألنا أولئك المتباكين أنفسهم ممن امتلأت بيوتهم بالدراهم الإماراتية، لعرفنا حقيقة ما قدمته الإمارات لليمنيين.

فها هو ذا مدير أمن عدن اللواء شلال شائع في إحدى لقاءاته مع تلفزيون “أبو ظبي” يقول مفاخرا بما قدمته دولة الاحتلال (الإمارات): إن عدن كانت قبل مجيء الإمارات تفتقد لسجن واحد، واليوم أصبحت السجون بالعشرات في عدن وحدها!

هذا طبعا أبسط الإنجازات الإماراتية في أرض الجنوب، سجون ومعتقلات، وتعذيب وإخفاءات، وقتل واغتيالات، واغتصاب واختطافات. أما المنجزات الكبيرة الأخرى التي يعرفها اليمنيون قبل عملاء الاحتلال فيمكن الإشارة إلى بعضها في الآتي:

– القضاء على مقومات الدولة اليمنية وتحويلها إلى دولة فاشلة بكل المقاييس،  حيث منعت الرئيس من العودة إلى بلاده، وجابهت الحكومة بكل الوسائل من أن تقوم بمهامها من العاصمة المؤقتة عدن، وعرقلت إقامة المشاريع الخدمية البسيطة؛ ناهيك عن الكبيرة؛ التي تمس المواطنين، وأنشأت مليشيات عميلة لضرب القوات الحكومية، وإشاعة الفوضى وزعزعة الأمن والاستقرار، وتوطيد أقدام المحتل، والانقلاب على الحكومة.

– السيطرة التامة على كل الموانئ اليمنية والمطارات، والتحكم في عمليات الاستيراد والتصدير، بعيدا عن الحكومة، ومن خلالها القيام بتهريب الأسلحة للانقلابيين الحوثيين الذين تدعي كذبا وزورا محاربتهم.

– السيطرة على كل المنشآت النفطية وموانئ تصديرها، ومنع الحكومة من القيام بعمليات الاستخراج والتصدير، وحرمان الدولة من مصدرها الاقتصادي الكبير، وحرمان المواطن من الاستفادة بثروات بلاده.

– استهداف المواطنين الآمنين بالطائرات بشكل متعمد في المدارس والأسواق والمدن والقرى، بهدف تأجيج الغضب المجتمعي على التحالف والشرعية، في الوقت الذي لم تستهدف فيه أي قائد أو تجمع حوثي، بل إنها تحولت إلى “استطلاع” لصالح الحوثيين تخبرهم بالأهداف التي سيضربها طيران التحالف قبل وقوعها ليأخذوا احتياطاتهم.

– التآمر على الجيش لصالح الحوثيين، وعرقلة أي تقدم في كل الجبهات، بل والضرب المتعمد للجيش الوطني بالطائرات الإماراتية لتأتي بعدها لتعلن أنها ضربات خاطئة.

– عرقلة تحرير المدن اليمنية مثل تعز وصنعاء، اللتين كانتا على وشك التحرر، لتترك الفرصة للحوثيين للتمدد على حساب الحكومة الشرعية، وزيادة إحكام القبضة على المواطنين الأبرياء.

– تحويل ميناء المخا وجزيرة ميون إلى قاعدة عسكرية إماراتية، بهدف السيطرة على مضيق باب المندب، وطرق الملاحة الدولية في البحرين العربي والأحمر، ولتتحول إلى دولة عظمى على حساب البلد الفقير المنهار.

 – السيطرة على جزيرة سقطرى، والقيام بتجنيس أبنائها بهدف تحويل الجزيرة إلى أراض إماراتية، ونهب الثروة النباتية والحيوانية النادرة ونقلها إلى أبوظبي ودبي.

– تدمير ميناء عدن؛ الذي كان ذات يوم الميناء الثاني عالميا في عهد الاحتلال القديم، بشكل كامل، من خلال إغراق بعض السفن وتفكيك بعضها الآخر، ليصبح غير قادر على استقبال السفن، ولضمان عدم منافسته مستقبلا لميناء دبي.

– إغراق اليمن بالسلاح المبثوث في يد المليشيات كالانتقالي والسلفيين وجيش طارق عفاش، والجماعات الإرهابية كالقاعدة وداعش، وكلها أدوات بيد الإمارات تحركها بالريموت كنترول متى شاءت، لنشر الفوضى في أوساط المجتمع اليمني، وتخويف العالم من الشعب اليمني الذي تصمه في كل محافلها بالإرهاب.

هذا جزء بسيط مما كرسه المحتل الإماراتي في أرض الجنوب، خلال الءربع السنوات الماضية، وستكشف الأيام القادمة الكثير والكثير من تلك الإنجازات التي لن تعود على اليمنيين إلا بالويل والنكال. أفيأتي بعده يمني صادق يبكي على جلاء المحتل الإماراتي؟!

ولا ننسى تلك الوثائق المبثوثة في وسائل الإعلام، والتي طالب فيها المحتل أبناء عدن والجنوب بإعادة كل تبرعاته وهداياه وصدقاته وزكواته!

لقد أظهرت تلك الوثائق حقارة وخبث المحتل، فسحب المعدات  المتهالكة التي قدمها لكهرباء عدن بكل “شقاديفها”، وسحب الأجهزة غير الصالحة للاستخدام التي قدمها للمستشفيات، وسحب الكراسي والماسات المكسرة التي قدمها للمدارس، وسحب علب الرنج الذي قدمها لطلاء الشوارع بأعلام بلاده وأعلام الانتقالي!

طالب بكل هذا، بل وفعلا أخذها معه على ظهر السفن التي نقلت قواته ومعداته العسكرية.

ولكن، ما الذي تركه لأولئك الذين يبكون على فراقه؟

حقيقة لم يأخذ المحتل كل شيء، فقد ترك الكثير من البصمات لتبقى مستقبلا تدل على أن المجرم المحتل كان في أرض الجنوب، فترك السجون السرية التي تمتلئ بها عدن، وترك بها العشرات؛ بل المئات؛ من المعتقلين المظلومين والمخفيين قسرا، والعشرات أو المئات من السجانين الذين يجيدون فنون التعذيب. وترك المليشيات المسلحة التي بمقدورها تدمر اليمن بضغطة زر من أحقر مجند إماراتي يقبع خلف زجاجات الأبراج الفارهة في دبي وأبوظبي. وترك بلادا مدمرة، ومدنا منهارة، ومنازل مسواة بالتراب. وترك أحقادا مثل الجبال في قلوب اليمنيين، كل اليمنيين، في الشرق والغرب، والشمال والجنوب، والسهول والجبال، والقرى والمدن، وكلهم يتطلعون لليوم الذي يتمكنون فيه من الانتقام، وعساه أن يكون قريبا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى