المبادرة السعودية.. هروب من إعلان الفشل!

اليمن نت _ محمد اللطيفي

فجأة، ومن جانب واحد، أعلنت السعودية مبادرة، سمتها “مبادرة المملكة لإنهاء الأزمة اليمنية والتوصل إلى حل سياسي شامل”، قالت إنها استمرار لحرصها “على أمن واستقرار اليمن والمنطقة، ورفع المعاناة الإنسانية للشعب اليمني الشقيق”، كما أكدت على أن مبادرتها تأتي لدعم جهود المبعوث الأمريكي لليمن/ تيموثي ليندركينج والمبعوث الأممي/ مارتن جريفيث، وكان لافتا ذكر سلطنة عمان، في إطار الحديث عن جهود السلام.

من ناحية المضامين، لا يوجد جديد في المبادرة السعودية، فهي توليف من نصوص وردت في مقترحات أممية ودولية سابقة، لم ينجح المجتمع الدولي طوال سنوات سابقة في تهيئة المجال لتنفيذها، فالمبادرة السعودية تضمنت وقفا شاملا لوقف النار، تحت مراقبة الأمم المتحدة، وهذه النقطة أعلنت أكثر من مرة، ولم تتفاعل معها مليشيا الحوثي، كما أن إيداع الضرائب والايرادات الجمركية المرتبطة بسفن المشتقات النفطية بميناء الحديدة، نقطة تكررت في المقترحات الأممية وفقا لاتفاق ستوكهولم، ووردت حاليا في مبادرة السعودية، التي اشترطت إيداع الإيرادات في الحساب المشترك بالنبك المركزي بالحديدة، وسبق أن فشلت هذه المسألة، نتيجة لسحب الحوثيين مبلغا كبيرا من حسا ب البنك الخاص بإيرادات السفن النفطية.

وافقت السعودية في مبادرته الجديدة على فتح مطار صنعاء برحلات إقليمية ودولية محدودة، وهذه النقطة ظلت مطلبا أمميا ودوليا في كل المقترحات الأممية والمبادرات الدولية السابقة، وبالتالي لم تحدد السعودية ما هي اشتراطات فتحه، أو ضمانات عدم استخدام المليشيا للمطار لأغراض عسكرية وأمنية، خصوصا وأن الحوثي يستخدم المطار في اطار تفاهمات لوجستية وأمنية مع طهران.

حديث السعودية في مبادرتها، عن بدء الحوار السياسي بين الشرعية، ليس جديدا في حد ذاته، فهو يتردد منذ سنوات، وفشلت مفاوضات جنيف والكويت والسويد والأردن، وحتى سلطنة عمان، فضلا عن المفاوضات السرية بين الرياض والحوثيين، كلها فشلت في إحراز تقدم حقيقي نحو تسوية سياسية شاملة وجادة، وفي كل جولات التفاوض كانت مليشيا الحوثي تمارس سياسة كسب الوقت لتقوية نفوذها في الأرض، وكسبت عمليا رسم خط أحمر على تحرير الحديدة، ما أتاح لها التحرك بحرية نحو محاولة بسط سيطرة جديدة باتجاه مأرب، التي تخوض ضدها حاليا معارك كبيرة منذ شهرين.

توقيت السعودية لإعلان مبادرة لوقف اطلاق النار، خلق الكثير من الاستفهامات، والمزيد من الشكوك حول طبيعة المبادرة، فهي أتت في ظل فشل مليشيا الحوثي إسقاط مأرب، وخسرانها لمناطق مهمة في محافظة تعز، فضلا عن تكثيف الغارات الجوية على مواقع للحوثي في صنعاء ومأرب والحديدة، وهو ما طرح الشكوك مرة أخرى حول مرامي الرياض، خصوصا في أنها لم تتجاوز مربع إخضاع الحوثي وليس إنهائه، ومحاولة جره من مربع الولاء لطهران.

وردت المبادرة هذه المرة بشكل صريح، باسم المملكة وليس باسم التحالف، ما جعلها تظهر في سياق الإعلان غير المباشر عن انتهاء التحالف السعودي الإماراتي، خصوصا بعد توقف الدعم العسكري الأمريكي للتحالف، وقد بدت منصة إعلان المبادرة سعودية خالصة ضمت وزير الخارجية السعودي وسفير السعودية لدى اليمن، وحتى صيغة البيان صدرت باسم الخارجية السعودية، وهو ما دلّ على أن الرياض؛ بتقديري، أضحت وحيدة في السياق الإقليمي، وتريد أن تحرز نصرا دبلوماسيا في اليمن، بعد أن فشلت عسكريا في تحقيق هدفها، المتمثل بتغيير ولاء الحوثي باتجاهها.

النقطة الأخيرة والأهم، أن السعودية، التي تؤكد دائما على أنها تدعم الحكومة الشرعية، وتدعم في إطارها وحدة اليمن واستقراره، لم تقدم تلك المبادرة باسم الحكومة، بل ظهرت في سياق “الوسيط الإقليمي” بين طرفين محليين؛ الحكومة والحوثيين، وهو ما يعني أن الرياض تتخلى بشكل معلن عن كونها داعم رئيسي للشرعية اليمنية، إلى رغبتها التعامل مع الشرعية والحوثي، في سياق مشابه للتعامل مع الشرعية والمجلس الانتقالي، وهو تعامل يساوي بين الحكومة والمليشيات المتمردة.

ما يمكن تأكيده، على أن السعودية لم تبارح بعد، سياستها تجاه اليمن، المبنية على دعم بناء “توازنات القوى” خارج سياق بناء دولة يمنية موحدة، وهي هنا تتعارض تماما مع ما قالته في مبادرة الأخيرة وكررته في تصريحات سابقة، من أنها لن تخرج عن المرجعيات الثلاث المعلنة؛ (قرار مجلس الأمن والمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني)، فمبادرتها الجديدة؛ فضلا عن اتفاقية الرياض، ذهبتا بعيدا عن تلك المرجعيات، نحو النظرة الأمريكية الأخيرة للمشهد اليمني: اليمن مجرد صفقة سعودية إيرانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى