المؤتمر والإصلاح.. بين العقل والحرب

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: أغسطس 12, 2018

أثارت ردود الأفعال حول تلك الصورة التي جمعت سلطان البركاني الأمين العام للمؤتمر الشعبي العام وعبد الوهاب الآنسي الأمين العام للتجمع اليمني للإصلاح في حفل زفاف نجل حميد الأحمر بجدة حفيظة كثير من المتابعين والمعلقين، الذين دخلوا في جدل عقيم حول الصورة ومغزاها.

فبينا فسرها المتابعون بتقارب وشيك بين الحزبين الكبيرين في الساحة اليمنية “المؤتمر والإصلاح”، ذهب الكثير من ناشطي الحزبين إلى السخرية من الرجلين، والتذكير بالصراع القديم بينهما، وإذكاء الأحقاد والمناكفات.

لم يكن أولئك المتهكمون والساخرون من الصورة، أو بالأصح من ذلك اللقاء، من أفرا الحزبين حينما أطلقوا سخرياتهم في وضع طبيعي، أو أنهم لا يعرفون معنى السياسة، ومن ثم مدلولاتها الوطنية.

فالخلافات السياسية – بمعناها الحقيقي- لا تعني تناحر بين الأفراد وقطيعة بين الجماعات والأحزاب، وإنما هي خلافات في وجهات النظر بما يخدم الوطن.

وإذا كان السياسيون اليمنيون والأحزاب اليمنية قد انحرفوا بهذا المعنى بعيدا عن مآلاته الحقيقية، فوصلوا به حد إشعال المعارك، وإزهاق الأرواح، وتدمير الوطن في لحظة تغشتهم الأطماع السلطوية، فإن ذلك لا يعني استمرار القطيعة، وتعميق الجراح.

إن أكثر من خدم الحوثيين في بسط السيطرة التامة على محافظات الجمهورية هو الانقسام الحاصل بين الإصلاح والمؤتمر، فبعد أن خسف بالأول بمساعدة الثاني، مكر بالثاني بمباركة الأول، وكلاهما رقص لمصاب الآخر، فكانت اللعنة مشتركة عليهما، والمصاب جللا عليهما.

لقد كانت الدعوة التي أطلقها سلطان البركاني لنبذ الخلافات ونسيان الماضي، والقبول بالشراكة الوطنية، والعمل المشترك في مواجهة مليشيا الحوثي، هي دعوة جديرة بأن يسمع لها الجميع، سواء حزب الإصلاح، أو تلك الكيانات المشتتة في الخارج من حزب المؤتمر، ممن لازالوا يرون في الآخر سببا في زوال ملكهم وسلطانهم.

لم تكن دعوة سلطان البركاني هذه؛ في تقديري؛ مجرد دعوة للاستهلاك الإعلامي والسياسي، بقدر ماهي دعوة حقيقية للمصالحة، فالجميع: المؤتمر والإصلاح وجميع القوى السياسية، تكبدوا مرارة الكأس على يد الحوثيين، والجميع في نظر الحوثيين أعداء، ولافرق عندهم بين أن يتواطأ هذا الحزب معهم فيمدهم بسبل النصر على الآخر، أو أن يمالئهم فيصمت عن جرائمهم، أم أن يواجههم في أرض المعركة وجها لوجه، أو أن يعتزل السياسة فينكفئ على وجهه، لافرق لديهم في ذلك، فاليمن بسهولها وجبالها وبحارها في نظر الحوثيين لاتتسع لحزب آخر يجاورهم فيها!.

وهنا تظهر أهمية المصالحة بين الأحزاب السياسية، ونبذ كل الخلافات السابقة، وعدم التمنطق بادعاءات الوطنية الزائفة التي يرددها بعض الراقصين على أشلاء أطفال ونساء وشيوخ اليمن.

فالوطنية الحقة أن يتجاوز الجميع الماضي، ويلتفتون إلى الحاضر والمستقبل، ليس لإعادة صياغة الماضي بشخوصه وحروبه، وإنما للبناء والتنمية الحقة، لأجل الوطن والمواطنين.

وبنفس العقلانية التي أطلقها سبطان البركاني؛ جاء الرد الذي عبر عنه نائب رئيس الدائرة الإعلامية لحزب الإصلاح “عدنان العديني”  حاملا الكثير من العقلانية، حيث دعا إلى كسر القطيعة القائمة بين الأحزاب اليمنية، ومن إجل انقاذ اليمن من شر الانقلاب الذي لن يكف عن تمزيق البلد وتجريع المواطن ألوانا من العذاب.

ولكن، إذا كان هذا هو صوت العقل الحقيقي والوطني في  الحزبين الكبيرين، فإنها أصوات تبقى تجلجل في الفضاء مالم توجد الشخصية الجامعة التي تستطيع كسر العزلة بين الحزبين، وإجراء مقاربة حقيقية، يكون الوطن هو العامل المشترك، لمن كان في قلبه ذرة من الوطنية.

فاليمن؛ كما قال البركاني: لن يغادر مربع الضياع إذا ظلت الأحزاب بعقلية الثأر والإنتقام، لكنه سيغادرها بشراكة وطنية، وتوحيد الجبهة الداخلية، والقبول بالآخر، والتسامح لدحر المشروع العبثي المتخلف، الذي استهدف اليمن وجيرانه، والسلم الاجتماعي، والتعايش السلمي والأخوة التى جبل عليها اليمنيون وعاشوا مئات السنين أخوة متحابين لأجلها.

بالتأكيد هنالك معوقات تحيل دون تقارب الأحزاب، بعضها داخلية تتمثل في جماعات المصالح التي ما فتئت تذكي نيران الفرقة، وتزيدها اشتعالا، وتحتسي نخب الفرحة والسعادة على سيول الدماء اليمنية المسفوكة، وأشلاء الأطفال المتناثرة في السهول والجبال وعلى الأشجار والمنازل والبحار، وهؤلاء لايمكن أن يسمعوا لداعي المصالحة، أو أن يدفعوا إليها، وهنالك معوقات خارجية تتمثل في دول التحالف نفسها التي تتحكم في الأزمة اليمنية، وتتخذ من بعض الشخصيات في الأحزاب أدوات لتحقيق أجنداتها.

في تقديري، آن الأوان للإذعان لأصوات العقلاء، والاستماع لمشوراتهم، ولعل في الأحزاب بقية باقية منهم، تغار على الوطن، وتخاف على مصالحه، دون اكتراث لأولئك المتأبطين شرا بالوطن، من الحوثيين، أو حتى من تلك الشخصيات من الأحزاب التي ترى في نفسها أنها الوطن كله وما سواها دخيل وعميل، وهي غارقة في العمالة والتآمر من رأسها إلى أخمص قدميها.

آن الأوان للرجوع جميعا لحماية وطن صادرته المليشيات، وجمهورية طمرتها الإمامة البغيضة، في وقت يتناحر فيه الوطنيون، ويتقاتل فيه الجمهوريون.