الكويت عرابة المصالحات العربية

زيد اللحجي

أخيرا تحققت المصالحة الخليجية، وعادت المياه إلى مجاريها، وتعانق الزعيمان القطري والسعودي على سلم الطائرة عناقا أخويا بعد قطيعة استمرت أكثر من ثلاث سنوات، ورفع الحصار وفتحت الحدود، وتلاقت الأرواح، وتلاشت العداوات، وانقشعت الغمة، وفرحت بذلك قلوب طالما تحسرت على ما جرى من عداوة وشقاق بين الأخوة وأبناء العمومة.

نعم، تحققت المصالحة بين قطر والسعودية، وتحقق معها مصالحة خليجية شاملة، نتمنى أن تصدق فيها النوايا، وتعود الوشائج الأخوية؛ لا أقول كما كانت من قبل وإنما صلبة متينة، لا تتخللها مؤامرات، ولا يكتنفها تأبط للشر أو تربص بالآخر، فالواقع العربي المؤلم يحتم على كل العرب التعاضد والتكاتف والوقوف أمام المؤامرات والتحديات بجسد واحد، وقوة واحدة، وعزيمة صلبة.

لكننا وقد تابعنا تلك المصالحة التاريخية نتساءل، كيف تمت تلك المصالحة؟ ومن هو عرابها الحقيقي؟

لا يوجد لدى الجميع أدنى شك أن الكويت لعبت دورا فاعلا في هذه المصالحة، وسواء كانت القيادة الكويتية السابقة أم اللاحقة؛ فكلاهما بذلوا جهودا جبارة لإذابة الجليد، والتوصل لهذه المصالحة.

وفي تقديري ليس ذلك بغريب على دولة الكويت قيادة وشعبا، فما من تصدع حدث في جدار العلاقات العربية العربية إلا وللكويت يد في رأبه، وما من جراحات أصابت جسد الأمة العربية إلا وكانت الكويت البلسم والعلاج لتلك الجراحات، وغالبا ما تتكلل جهودها بالنجاح، ذلك لأنها حينما تتدخل في رأب الصدع العربي أو مداواة الجراحات العربية تتدخل بصفاء قلب، وإخلاص نية، ورغبة صادقة في الصلح، وقل أن تجد ذلك مجتمعا في مساعي أي دولة أخرى، ولذلك تتكلل مساعيها بالنجاح.

ولكن إذا كانت الكويت قد جمعت  صفاء القلب وإخلاص النية وسلامة الضمير فأحرزت تلك المصالحة، فثمة أطراف أخرى ساعدوا على إنجاح المساعي الكويتية، هم أطراف النزاع نفسيهما؛ قطر والسعودية، الذين رحبوا بالمساعي الكويتية، وقبلوا بتدخلاتها، وقدموا التنازلات لإنجاحها.

فقطر التي استطاعت بحنكة قيادتها احتواء الأزمة بنجاح، والخروج من خلالها كقوة خليجية لا تلين، لم تجد بدا أمام الوساطة الكويتية من أن تتناسى جراحاتها، وترضى بالمصالحة، وتقبل بإعادة اللحمة الخليجية.

والسعودية التي كانت بالأمس متشددة في إطباق الحصار، لم تجد بدا هي الأخرى من الخنوع للوساطة الكويتية والتنازل عن اشتراطاتها السابقة، لتلتئم الجراح، ويتلاقى الأخوة.

وكلاهما؛ قطر والسعودية؛ كما يبدو وجدا في الوساطة الكويتية الحقنة التي أفاقتهما من غيبوبة ظلت لأكثر من ثلاث سنوات، وأعادتهما إلى رشدهما، فاستشعرا الخطر المحدق بهما وبالأمة العربية والإسلامية جمعاء، وعندها قبلا بالمصالحة، وهي حقا مصالحة حقيقية عكستها حرارة الاستقبال الذي أبداه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لأمير قطر تميم بن حمد عند سلم الطائرة، وما تبعه من توقيع على بيان القمة، الذي أكد على تعزيز وحدة الصف والتماسك بين دول مجلس التعاون، وعودة العمل الخليجي المشترك إلى مساره الطبيعي، والحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

وأخيرا، وأمام هذه المصالحة، نجد أنفسنا نقف بإجلال أمام الأشقاء في الكويت قيادة وشعبا على جهودهم في سبيل إنجاحها،  ونشد على أيديهم أن يستمروا قدما، وبذات العزيمة والإصرار، في طريق إحراز مصالحات أخرى، في اليمن وليبيا ولبنان وسوريا والعراق، فالشعوب العربية كلها تعاني من حروب بينية مزقت الأوطان، وشردت الإنسان، وهتكت الأعراض، وأحرقت الحرث والنسل، وهي تنظر اليوم لمن يخلصها من ذلك كله، ولعل ذلك يكون على يد الشقيقة الكويت. غير أن الكويت لن تستطيع إحراز ذلك بمفردها ما لم تستشعر الدول الداعمة للفوضى الخطر، كما استشعرته في المصالحة الخليجية، وتعمل مع الكويت جنبا إلى جنب بصفاء قلب، وإخلاص نية، وسلامة ضمير. فعندها فقط تتحقق المصالحات، وتندمل الجراح، وتنتهي الفرقة، وتنتهي الحروب إلى غير رجعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى