“الفوضى الخلاقة” في اليمن!

محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: ديسمبر 12, 2018

  اللحظة اليمنية في السويد، ما هي في مجملها إلا تعبير عن فشل غير مبرر في حل القضية اليمنية. القضية التي من شدة وضوحها يبدو عدم تفهمها غير مقنع، وكأننا أمام حالة من تعمد إرباك المشهد السياسي اليمني وجعله متسم بالغموض، ربما الأمر لا يخرج عن كونه محاكاة لـ”الفوضى الخلاقة” ولكن بنسخة يمنية، فرغم إجماع العالم كله على أن القضية اليمنية، تكمن في وجود انقلاب على الدولة وتمرد على الشرعية، ومع أن هذا العالم يسمى في مرجعياته التي أجمع عليها، من هو المنقلب ومن هو الشرعي، إلا أنه في فوضاه الخلاقة، يدعم مشاورات في السويد، تتعارض مع قرارات مجلس الأمن والمرجعيات المعلنة، ويساوي بين الشرعية والانقلاب، بل ويسعى لفرض تنازلات يقدمها الشرعي للمتمرد.

   في هذه “الفوضى اليمنية الخلاقة”، يبدو اليمن ساحة لمشاريع إقليمية ودولية، تتصارع على حساب القضية اليمنية، وتريد تمرير أجندات معينة، ولذا نلحظ أنه حتى الرؤية الأممية الأخيرة للتسوية السياسية الراهنة، تتعمد تطويل مسار تنفيذ ما تسميه الأمم المتحدة بـ”إجراءات بناء الثقة”، وهي الإجراءات التي يمكن لها أن تأخذ زمنا قصيرا، إلا أنها وفق الرؤية الأمريكية للصراع في اليمن، قد تأخذا عام 2019 كاملا، حيث تقر الرؤية الأمريكية، على أن استعادة الاستقرار في اليمن ستكون عملية طويلة الأجل، يمكن تفهم ذلك، لكن تفاصيل تلك الرؤية تشير بوضوح، إلى أن مرحلة بناء الثقة بين الأطراف، قد تأخذ لحالها ستة أشهر إلى سنة.

ما الذي يفعله المتشاورون في السويد إذا؟.. إنهم يؤدون تمارين النفس التشاوري، فالأمم المتحدة تتحدث عن جولة قادمة من المشاورات في بداية العام القادم، ووفدي الحكومة ومليشيا الحوثي لم يكملا بعد النقاش، حول ملفات المعتقلين وميناء الحديدة ومطار صنعاء، وهي الملفات التي تحتاج الى إخضاع الطرف المتمرد على تقديم بوادر حسن نوايا، قبل حضوره مشاورات بشأن تلك الملفات العالقة.

 لقد أدى الأداء السلبي للرياض وأبوظبي في اليمن، إلى نتائج كارثية عكسية، جعلت من الطرف القوى المعترف دوليا بشرعيته، مساويا للطرف المنقلب، وبغض النظر عن تسويق دول التحالف بأن هذه هي رغبة المجتمع الدولي، لكن هذه الرغبة؛ رغم صحتها، ما كان لها أن تتحقق، لولا وجود أجندات خاصة وغير شرعية لدى الرياض وأبوظبي، الأجندة التي جعلت من الشرعية رهينة لا تمتلك قراراها السيادي، فضلا عن قرارها العسكري والاقتصادي، وإلا ماذا يعني أن يتحدث العالم عن ميناء الحديدة، كمنفذ وحيد لدخول البضائع والمساعدات؟ في الوقت الذي بإمكان التحالف تفعيل موانئ عدن والمكلا وغيرها!.

 نحن أمام فوضى يمنية ترعاها دول تدعي إنقاذ اليمن من محنته، وتتعذر برغبة المجتمع الدولي في إبقاء هذه الفوضى سارية المفعول، مع أن كل حقائق السنوات الماضية تشير بوضوح، إلى أن الدول العظمى تتعامل مع سياسة الأمر الواقع، وقد مرّت فرص كثيرة، كان يمكن فيها لقوات الشرعية أن تحسم تحرير كامل مناطق اليمن، وتفرض هذا الحسم كخيار تفاوضي، لولا الأجندة الخليجية نفسها، التي تريد تحرير اليمن بالقطارة؛ وربما بالمنشار، وفق رؤية خاصة بها، تضمن بقاء اليمن حديقة خلفية لأطماعها.

الآن، وبغض النظر عن أجندة الخليج ورغبات المجتمع الدولي، فإن المستفيد مما يجرى، هي الدولة التي تقول السعودية والامارات وواشنطن أنها الخصم الحقيقي؛ وهي إيران، التي تستفيد من أخطاء أعدائها الاقليمين والدوليين، تماما كما تستفيد مليشيا الحوثي من أخطاء الشرعية، وإذا لم يتم التنبه إلى خطورة استمرار هذه السياسات الخاطئة في اليمن، وتعديل مسار الفوضى اليمنية الخلاقة، فإن هذه الفوضى عاجلا أم آجلا، سوف تنشب في جغرافيا المنطقة الخليجية، المنطقة التي تشكل خلفية هامة لواشنطن نفسها.

 إن الحقيقة التي يجب التنبه لها من قبل الرياض ومعها واشنطن، هي أن الحفاظ على أمن السعودية؛ كخلفية جيوسياسية آمنة لواشنطن، يستلزم بالضرورة، الحفاظ على أمن اليمن؛ كخلفية جيوسياسية آمنة للرياض، وإلا فان هذه الفوضى الخلاقة التي يراد تجربتها في اليمن، لن تبقى في اليمن وحدها.