الفرق بين التدخل الأفريقي والخليجي

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: يوليو 9, 2019

في موقف تاريخي غير مسبوق؛ توصلت الأطراف السودانية مؤخرا لصيغة اتفاق توافقي على إدارة المرحلة الانتقالية بين المجلس العسكري المدعوم سعوديا وإماراتيا وبين القوى السياسية الأخرى المدعومة من الشعب، بعد مخاض كاد أن يعصف بالبلاد من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، خاصة مع ركض الأشقاء الخليجيين للانخراط في الأزمة السودانية، ودعمهم للمجلس العسكري الذي قبض على السلطة عقب الانقلاب على البشير مباشرة.

 

وعقب هذا الاتفاق خرج الشعب السوداني للاحتفال، وقد ارتسمت على شفاههم ابتسامة عريضة، على أمل أن يروا بلدهم في حلة جديدة، خاصة بعد أن رأوا ما حل بالبلدان العربية الأخرى التي قذفت بها الأزمات إلى واد سحيق.

 

وفي الحقيقة لم تكن الأطراف السودانية لتتوصل لهكذا اتفاق لو أنهم تُركوا لأشقائهم الخليجيين، ولكانت السودان؛ كما البلدان العربية الأخرى التي شهدت تدخلا (أخويا خليجيا) كاليمن وليبيا؛ تغرق في دماء أبنائها، لكن هذه الأطراف أحسنت صنعا حينما أدارت ظهرها للأشقاء الخليجيين واتجهت صوب الأشقاء الأفارقة.

 

ولا أخفيكم سرا أننا ونحن نتابع المشهد السياسي السوداني؛ ومثلنا الكثير من المحبين لعالمهم العربي الإسلامي؛ كانت قلوبنا في أكفنا خوفا من أن يلحق السودانيين ما لحق بالبلدان التي تدخلت فيها الشقيقتان الخليجيتان (السعودية والإمارات)، وكنا دائما ما نلهج بالدعاء للأشقاء السودانيين بأن يجنبهم الله مغبة تدخلهما، وأن يحميهم من شرور هاتين الدولتين، اللتين ما من مشكلة في أي دولة عربية إلا ولهما فيها نصيب، إن لم تكن النصيب كله، فالدولتان للأسف الشديد قائمتان على الفتنة أينما كانت، ولا تستطيعان البقاء دون زرع الفتن، ومشاهدة الدماء العربية والإسلامية مسفوكة.

 

على أن ذلك لا يعني أن السودانيين سلموا من ذلك التدخل السعودي الإماراتي، فقد كان المجلس العسكري صنيعة سعودية إماراتية بامتياز، فقد أرادت السعودية والإمارات أن تجعل منه الرصاصة التي تقتل بها الشعب السوداني، كما فعلته في بعض البلدان العربية، لكنها خسئت حينما تدخلت أثيوبيا والاتحاد الأفريقي في خط الأزمة، والذين عملوا على إيجاد توافق بين العسكر والقوى المدنية السودانية، انطلاقا من المصلحة العليا للسودان والسودانيين، دون وجود لأي مصالح ذاتية، أو أطماع جانبية، أو أجندات استعمارية، فأثيوبيا والاتحاد الأفريقي ينطلقون من حق الجوار الخالص لا الجوار الطامع في الثروات.

 

وإذا كانت السعودية والإمارات في طليعة الدول التي أشادت بالاتفاق فلايعني ذلك أنهما راضيتن كل الرضا، وإلا ماذا تعني المليارات التي قدمتها الدولتان للمجلس العسكري منذ قبضته على السلطة، غير أن الأحداث التي وقعت في منطقة الخليج العربي مؤخرا، هي من أجبرتهما على ترك السودانيين لأثيوبيا والاتحاد الأفريقي، ولو لم يكن لتلك الأحداث وجود لكان الأمر مختلفا بالكلية، ولتبعت السودان شقيقاتها اليمن وليبيا وسوريا.

 

وأي كانت تفاصيل الاتفاق فقد جاءت المبادرة الأفريقية-الإثيوبية المشتركة، لتخرج السودانيين من كوارث كبيرة كادت أن تعصف بهم، وترميهم في مستنقعات الفوضى والانقسامات.

 

صحيح أن ثمة ملفات شائكة تجعل الاتفاق على المحك، غير أن هذه الملفات تظل تحت السيطرة إذا ما عمل السياسيون السودانيون حدا للتدخلات السعودية الإماراتية.

 

ففي اليمن حينما تركت الأمور للأشقاء الخليجيين؛ شهدت البلاد ولازالت سنين عجاف أودت بأخضر الأمة ويابسها، قُسمت فيها البلاد، ونُهبت الثروات، وانتُهكت السيادة، وصُودرت الشرعية واحتجزت في غرف فنادق الرياض، ومُنع الرئيس ونائبه والوطنيون من العودة، ودُعم الانقلابيون، واحُتلت المدن والجزر، وأصبحت الأعلام الخليجية هي التي ترفرف على سواري المطارات والموانئ والمؤسسات الحكومية فيما نكس العلم اليمني، وقُتل اليمنيون أطفالهم ونساؤهم وشيوخهم وشبابهم في عملية إبادة ممنهجة، وكل ذلك باسم النجدة الأخوية.

 

لم يكن يعلم اليمنيون حينها أن النجدة الأخوية عند عربان الخليج تعني الاحتلال، وأن هبة الأشقاء الخليجيين تعني الموت الزعاف.

 

لم يكن يعلم اليمنيون قط أن فتح السعودية منافذها للهاربين اليمنيين يعني اعتقالهم، وأن دعمها المالي للرئيس وحاشيته يعني دُفعة أولى من ثمن الأرض اليمنية المزمع احتلالها من السعودية والإمارات.

 

لم يكن أحد يعلم ذلك، وإلا كان اليمنيون بتروا أرجلهم التي ركضت بهم باتجاه دول الخليج، وسددوها شطر دول أفريقيا التي ترعى حق الجوار، وحق القرابة.