“العاطفة السياسية”.. التي تقتل اليمن!

محمد اللطيفي

لا يوجد في السياسة مجال كبير للعاطفة، ومع ذلك فإن أغلب اليمنيين يتعاملون مع الأحداث السياسية المحلية والإقليمية والدولية، بمنطق عاطفي بحت، يمكن أن نسميه “العاطفة السياسية”، وهو منطق مخادع في مقدماته التحليلية ومبني على الحظ في نتائجه، وهذه “العاطفة السياسية” هي من تتحكم في طريقة تفاعل اليمنيين مع أحداث عالمية، مثل الانتخابات الأمريكية.

المنطق السياسي مبني على مجموعة معقدة من المصالح المتضاربة، و عند تحليل حدث ما، يجب تجاوز ظواهره إلى خلفياته وقراءة ما بين سطوره، ولكن الأغلب، فضّل التعامل مع الانتخابات الأمريكية، بمنطق التمني، بفوز مرشح ما؛ ترامب أو بادين، وبتقديري؛ هذا يعود إلى نمط العقلية العربية، المسكونة بالزعيم الأوحد، وهي العقلية التي تنظر إلى جوهر السياسة الأمريكية وكأنها مرتبطة بمزاج الأشخاص؛ كما هي الأنظمة العربية.

جوهر السياسة الأمريكية الخارجية؛ وخصوصا فيما يتعلق بالشرق الأوسط، سياسة ثابتة الغايات ومبنية على اتفاقات جمعية ومجموعة مصالح معقدة، والفارق بين سياسة الديمقراطيين التي كان يمثلها أوباما، وحاليا سيمثلها بايدن، وبين سياسة الجمهوريين التي يمثلها ترامب، هو فارق بين وسائل الدبلوماسية، ووسائل التدخلات المباشرة.

بالنسبة لليمن، فإن استمرار ترامب الجمهوري بحكم الولايات المتحدة الأمريكية، يحافظ على ميزان نسبي لقوة الرياض وأبوظبي في الشرق الأوسط، على حساب النفوذ الإيراني، بينما يضع اعتلاء بايدن الديمقراطي سدة السلطة الأمريكية، قيودا على نشاط السعودية والإمارات في الشرق الأوسط، وفي كل الأحوال، فإن اليمن تقع في هامش فوز المرشحٓين، وتتضرر في كلا الحالتين.

فبحماية إدارة ترامب، وتحت مبرر الوقوف ضد النفوذ الإيراني، عبثت الرياض وأبوظبي في اليمن، ومارست احتلالا مباشرا لأغلب مناطق اليمن الجنوبية والشرقية والغربية، وحولت السواحل اليمنية إلى مزار للمخابرات الدولية، وحرمت عمدا اليمنيين من التمتع بثرواتهم، وحرصت على وضعهم بمقربة من دوائر الفقر والمجاعة.

ولذا فإن الذين تحسروا على هزيمة ترامب، من زواية أن هذه الهزيمة تضعف السعودية، وبالتالي تقوي النفوذ الإيراني، في اليمن، هم؛ إذا ما استبعدنا مسألة العمالة والتبعية، يعيشون عمى “العاطفة السياسية”، لأنهم يرون أن النفوذ الإيراني في اليمن تقوى أكثر، فقد اعترفت إيران رسميا بمليشيا الحوثي، كممثل شرعي لليمن، حيث استقبلت سفيرا حوثيا في طهران، وعينت القيادي في الحرس الثوري الايراني، حسن إير لو، سفيرا لها بصنعاء.

بالمقابل، فإن الذين رفعوا سقف التوقعات الإيجابية، برئاسة بايدن لأمريكا، وقعوا في “فخ” عاطفتهم السياسية، حيث قد تعمل إدارة ترامب على تخفيض دعم السلاح للسعودية والإمارات، وقد يفعل بايدن العلاقات الدبلوماسية الأمريكية مع طهران، لكنه لن يسعى لإنهاء مشكلة اليمن الرئيسية، والمتمثلة بفقدان السيادة، السيادة التي تنتهك يوميا، وبشكل مباشر، من ثلاث عواصم اقليمية، طهران والرياض وأبوظبي، وبتدخلات مباشرة من لندن وباريس، وبدعم لوجستي من واشنطن.

اليمن، ستظل بالمنطق الأمريكي، حديقة خلفية للسعودية، وهي هكذا منذ تأسست المملكة، ولذا فإن مجيء بايدن للبيت الأبيض الأمريكي، قد يشكل قلقا السعودية فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في الداخل السعودي، وقد يتم تعديل العلاقة العسكرية بشروط أمريكية جديدة، وربما يجمد الحرب في اليمن، ولكن من قد قال إن ايقاف الحرب؛ وليس انهائها، هو الحل لليمن.

ايقاف الحرب في اليمن، يعني استمرار الوضع كما هو عليه، بقاء مليشيا الحوثي مسيطرة على صنعاء ومدينة وميناء الحديدة ومناطق شمالية، وبالتالي تقوية النفوذ الإيراني فيها، وأيضا بقاء مليشيات التحالف؛ الانتقالي في عدن وسقطرى، وطارق والقوات المستركة في سواحل الحديدة، والقوات السعودية في المهرة، وبالتالي استمرار التدخلات الاحتلالية السعودية الإماراتية، وفي ظل هذا الوضع المختل، ستقوم إدارة بايدن بفرض تسوية تذهب نتائجها الميدانية لصالح المليشيات، والسياسية لصالح القوى الاقليمية.

ما تحتاجه اليمن، هو الخروج من نطاق “العاطفة السياسية”، وهذا لا يتم إلا من خلال فهم السياسة الأمريكية، بعيدا عن سؤال من سيحكم؟ بل ما هي القواعد التي تحكم المصالح الأمريكية الخارجية؟ مع ملاحظة: أن الفوارق بين الديمقراطيين والجمهوريين، ليس في المبادئ بل في الوسائل والاجراءت، فارق في تغليب الدبلوماسية على العنف، عند التعامل مع القضايا العالمية.

ولذا فإن التعامل مع المؤسسات الأمريكية بشكل مباشر هو الأفضل، وهذا لن يكون إلا بأن تسعى اليمن لتحرير قرارها السياسي من الإرتهان المبتذل للسعودية، فحتى اللحظة لا تزال الشرعية اليمنية تؤكد لواشنطن وغيرها من عواصم العالم، بأنها ملحق تابع للرياض، وليس كيان ممثل لدولة ذات سيادة اسمها اليمن، وهو ما يكرس المنطق الأمريكي القائم على فكرة أن اليمن حديقة خلفية للسعودية، ودون تقديم اليمن للعالم بكونها دولة مستقلة فإن هذا العالم وفي مقدمته واشنطن، لن يتعامل معنا إلا في سياق ما نعرّف به أنفسنا، ولا يغيّر من الأمر، أيهما يحكم أمريكا؛ ترامب أم بايدن.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى