الطفل أحمد درويش..  حياة بين ركامين

اليمن نت _ تقارير

ما أن توقف إشارة المرور السيارات في جولة (الدائري تقاطع شارع الرباط) وسط صنعاء حتى يسارع ابن الرابعة عشرة بالتنقل بين نوافذ السيارات بحثًا عن زبون محتمل.

اقترب من نافذة السيارة، وببشرة مغبرة بقشور قمحية تشي بأثر لفحات البرد بسط ابتسامة بطعم الحزن رافعاً علبة فاين الجيب، أملاً في بيعها لأحدهم في السيارة.

المشهد ذاته تكرر أمامي لـثلاثة أيام متتالية؛ ما دفعني في اليوم الثالث إلى شراء علبة الفاين كمدخل للحديث.

ما اسمك؟

سألته محاولًا انتزاعه من صمته الذي يفصح عن مغالبة ابن المحافظات الساحلية الحارة لمفارقات الطقس القاسية في مدن الصقيع كصنعاء، رد ببطء شديد: أحمد درويش، نازح من محافظة الحديدة.

المدارس عادت يا أحمد لماذا تأخرت عن العودة للمدرسة؟ يرد بعد صمت كاد يطول: “لو واصلت الدراسة كنت الآن في الثالث الإعدادي”.. قالها كما لو أنه يدلوها من بئر عميق، فيما عيناه تغرورقان بالدموع، مردفًا: “بعد قصف مدرستي في الدريهمي وخسارة والدي عمله في أحد مصانع الحديدة التي قصفها الطيران، نزحنا في 2018م كنت قد أكملت الصف السادس، وإلى اليوم نعيش في صنعاء.

 

يعول أسرته

أحمد الذي صار بائعاً متجولاً ليعول أسرة تقيم في مركز النزوح بمدرسة أبو بكر الصديق في عَصِر- صنعاء، كان يتهرب كلما سألته عن المدرسة. ولا غرابة، فالحديث معه عن التعليم بدا أشبه بجملة اعتراضية حشرت بلا جدوى في عبارة واضحة، ولم يعد التعليم بتلك الأهمية القصوى التي نتصورها بعد أن أصبح أحمد هو وعشرات الآلاف من الأطفال النازحين يعولون أسراً، إما تسولًا أو باعة متجولين، أو الحالتين معا.

وعلى هذه الحال، هم محظوظون فعشرات الآلاف من أقرانهم قضوا في القصف والمواجهات ناهيك عمن قضوا بسبب الأوبئة والمجاعة في الساحل التهامي، فيما لا يزال مستقبل الكثير مفتوح على تحذيرات أممية من أن قرابة 100 ألف طفل يواجهون خطر الموت جراء سوء التغذية الحاد، ومشكلات أخرى جعلت من التعليم آخر ما يمكن أن يُتحدث عنه.

 

أرقام كارثية

نزوح أحمد وأقرانه وفقدانهم حق التعليم ليس مستغربًا في محافظة الحديدة فقد طالت الحرب 168 منشأة تعليمية أي 11.5% من أصل 1464 منشأة 26 مدرسة منها دمرت بالكامل، و66 مدرسة دمرت جزئيا و41 مدرسة أضحت غير آمنة، و35 مدرسة أصبحت مأوى للنازحين داخليًا، كانت المدارس حاضنا 79 ألف 164 طالب وطالبة أي 14.8% من إجمالي طلاب المحافظة البالغ عددهم فيها 536 ألف و479 طالب وطالبة من خارج الزيادة السنوية المعتادة، ناهيك عن توقف التعليم بشكل شبه تام في مديريات: حيس، والجراحي، والتحيتا والدريهمي، أما ما تبقى من المدارس فمتوسط العجز في الكتاب المدرسي للخمسة الأعوام السابقة بلغ 83.3% حسب إحصائية صادرة عن وزارة التربية والتعليم بحكومة صنعاء.

محافظة الحديدة لم تعد الوحيدة في دائرة المأساة، فالإحصاءات الرسمية ذاتها أكدت خروج 3652 مدرسة ومنشأة تعليمية عن الخدمة في  11 محافظة جراء القصف أو المواجهات، منها 412 مدمرة جزئيا، و993 مدرسة ومنشأة تعليمية استخدمت لإيواء النازحين، و756 أغلقت بعد أن أصبحت غير آمنة، فيما هذه الأرقام ليست حدود كارثة التعليم في اليمن فقد تسببت الحرب في فقدان ثلاثة أرباع معلمي المدارس الحكومية لرواتبهم منذ أكثر من عامين لينخرط أغلبهم جبرا لا خيارا في دروب البحث عن مصادر عيش لهم وأسرهم، ما يعني تقويض مستقبل قرابة 3,7 مليون طفل بحرمانهم من حق التعليم الذي كانوا في سنواته الأولى، 1.71 مليون طفل منهم يعيشون في محافظات النزوح منذ بدء الحرب في مارس 2015م، ناهيك عن شلل القدرة الاستيعابية لبقية المدارس، تزامنًا مع الزيادة السنوية من الطلاب الجدد في محافظات الجمهورية والتي قد تزيد على المليون طالب وطالبة، ما يعني أن مستقبل 5 مليون طفل يمني ملغم بالجهل والضياع.

 

جهود دولية

هذه التحديات التي يزيد احتمال استمرار الحرب من تعقيدها واتساعها، لم تغلق الباب أمام جهود منظمة الطفولة (اليونيسف) وشركائها، بل سعت جاهدة لتمكين الأطفال من نيل حقهم في التعليم، عبر إيجاد حلول مؤقتة لمشاريع متعددة بلغت كلفتها 70 مليون دولار لصرف حوافز نقدية شهرية لـ135,000 من المعلمين والموظفين العاملين في المدارس لمدة تسعة أشهر تقريبا، مسهلة وصول 204,340 طفلاً إلى التعليم 49.7% منهم من الفتيات، ومساهمة في إعادة تأهيل 18 مدرسة متضررة وإعادة تأهيل المراحيض في 218 مدرسة.

تقارير اليونيسف الصادرة في العام 2020م أكدت تدريب 4,055 من المعلمين والمشرفين والأخصائيين الاجتماعيين في مجال الدعم النفسي والاجتماعي، ليستفيد منهم 133,356 طفلا في المدراس 41.6% منهم من الفتيات، كما زودت 41,907 طفل 49.08% منهم من الفتيات بمستلزمات التعليم الأساسية بما في ذلك الحقائب المدرسية، ووفرت فصول مجتمعية في المناطق التي لا تتوفر فيها مدارس رسمية بهدف تعليم الأطفال المنقطعين عن التعليم وقادت حملات توعوية للمجتمع بأهمية التعليم وتعزيز قدراتهم لتسهيل تنفيذ التدخلات مما ساهم في إعادة حوالي 7,726 طفل 44.25% منهم من الفتيات إلى المدرسة، وأحرزت تقدما في بلورة وإعداد خطة التعليم الانتقالي، المدعومة من مبادرة الشراكة العالمية من أجل التعليم.

 

 

تم إنتاج هذه المادة من قبل شبكة إعلاميون من أجل طفولة آمنة التي يديرها مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي وبتمويل من اليونيسف (منظمة الطفولة)“.

 

تنشر هذه المادة بمناسبة #اليوم_العالمي_للطفل وفقًا لتفاهم بين الموقع والشبكة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى