الشرعية وحمق “دعاتها”!

  لا يوجد شيء أسوأ من السخافة إلا من يروج لها، والترويج للسخافات منتشر هذه الأيام في ميادين السياسة والإعلام، خصوصا بعد أن تحولت إلى ما يشبه الأسواق السوداء التي تباع فيها الضمائر وتشترى، وآخر سخافة يتم الترويج لها هذه الأيام، الفتوى المتعلقة بـ”حرمة بقاء القيادة خارج الوطن”؛ أو هكذا عنونها صاحبها، الذي تجرأ وسماها فتوى، نشرها باسمه، مقدما نفسه عالما باسم الشرع وناطقا باسم الله.
 مبعث السخف في هذه الفتوى، ليس في كونها فتوى، بقدر تجرؤ صاحبها على اعتبارها كذلك، ومع أنني لا أؤمن بالفتوى في زمن أضحت فيه أمور الدين واضحة وبينة، ويمكن لأي شخص فهمها دون الحاجة إلى وسطاء يتاجرون بالدين والفتاوى باسمه، إلا أنه حتى بشروط الإفتاء التي وضعها فقهاء “زمن الإفتاء”، فان كثيرا من الفتاوى المعاصرة؛ ومنها فتوى فضل عبدالله مراد، لا علاقة لها بمعايير الفتوى وشروطها، بقدر ما هي “فضول تديني”؛ إن صح التعبير، فضول جعل صاحب الفتوى وأمثاله كثر، يقحمون الدين في كل واردة وشاردة، مع أنه من حقهم أن يقحمون أنفسهم في أي شيء، باعتبار ما يقولونه رأيهم الشخصي، وليس بالضرورة رأي الدين.
 تبدو الفتوى، أو بالأصح منشور صاحبها الفيسبوكي، حشر للدين في غير موضعه، حتى بمقياس ما سمي قديما “بالسياسة الشرعية” وهي السياسة التي وضعت قديما لتناول قضايا تقترب من إشكالية الحلال والحرام، وليست في نطاق الصواب والخطأ، فقضايا السياسة مرتبطة بالصواب السياسي والخطأ السياسي، وهذا الصواب أو الخطأ سيتصارع الناس حوله، وسيختلفون أو حتى يتقاتلون من أجله، لكن دون إضفاء الشرعية الدينية على أفعالهم أو تصرفاتهم، ومن هنا فإن إقحام الشريعة في مثل هذه الأمور تعد جريمة بحق الدين قبل أن تكون جريمة بحق السياسة او المجتمع، كما أن هذا الإقحام يمثل مدخلا للفتنة بين الناس، وتشطيرهم على أسس دينية وطائفية ومذهبية.
  بقاء رئاسة الدولة أو رموزها خارج اليمن، مسألة سياسية بحتة لها تقديراتها ولها إيجابياتها كما لها مساوئها، والناس أضحوا مجمعين على مساوئ بقاء الشرعية خارج البلد، وليسوا بحاجة لمدع في الشريعة ليفتيهم بأن بقاء رئيسهم حاليا في الرياض مخالف للدين، وكأن بقاءه سابقا كان موافقا له، وما أصبح واضح أن الكثير من الذين يقدمون أنفسهم دعاة أو علماء، يتعاملون مع الناس باستخفاف لا مثيل له؛ كصاحب فتوى حرمة بقاء القيادة بالخارج، كأن الشرعية التي صمت آذانها عن كل النداءات الشعبية المنادية بعودتها، كانت تعتقد أن بقاءها في السعودية حلال، وعندما تكتشف أن فعلها حرام شرعا ستحزم حقائبها للعودة استجابة لنداء الناطقين باسم الله.
 في هذه الفتوى؛ كما في غيرها، إنكار مبطن للشرعية الشعبية وللديمقراطية التي تستند إليها، فالناس عندما أعطوا أصواتهم الاستفتائية لعبدربه هادي منصور ليس لأن الدين قال لهم ذلك، بل لأن مصلحتهم في ذلك الوقت اقتضت ذلك، كما أن وقوفهم ضد الانقلاب وضد مليشيا الحوثي ليس لأسباب دينية ولكن لظروف سياسية بحتة اضطرتهم حتى لتشكيل مقاومة مسلحة ضد تلك المليشيا، كما أن تفهم الناس لهروب رئيسهم للخارج ثم بقائه وحكومته في البداية كان لأسباب وطنية، وهم الآن ولذات الأسباب يعارضون بقاءه كونهم يرونه إضرارا بسيادة الوطن وليس بسيادة الشرع.
 لقد ظل اليمنيون منذ ثورة 2011 يتحركون في كل أحداثهم وحتى الآن، من منطلقات وطنية بحتة، وكانوا يؤمنون أن أفعالهم سياسية لا تعارض بينها ومبادئ الدين، لكنها لا تحتاج بالضرورة إلى فتاوى لأنها انطلقت لأجل الوطن لا لأجل الشرع، وهذا الفارق بين وعي الشعب وتخلف وعي نخبه التدينية، لأن الأمر ببساطة أنه لا مشكلة لليمنيين مع الدين بل مع النظام الحاكم ورجاله ورموزه؛ بما فيهم مشايخ ودعاة وسياسيون واعلاميون وقفوا مع النظام الحاكم ضد مصالح الناس وعلى حساب دمائهم.
تبدو عقدة بعض من يقدمون أنفسهم دعاة أو مشايخ دين، عقدة نفسية عويصة، فهم لم يدركوا بعد أن الزمن تجاوزهم وأن الناس عندما خرجوا ضد نظام المخلوع صالح أو ضد انقلابه ومليشيا الحوثي، وحتى عندما ترتفع أصواتهم ضد انتهاكات الإمارات وفساد رموز شرعيتهم أو ضد بقائهم في الخارج، لم يدركوا أن كل تلك الأفعال الوطنية جرت دون استئذان سيادتهم، بل من واجب وطني  تجاه بلدهم وهو الواجب الذي يخالجه شعور بأن تلك الأفعال لا تتعارض والدين كقيم حضارية.
ما يجب التأكيد عليه، أنه من الخطورة بمكان إقحام الشرع في مسائل سياسية بحتة، كون ذلك قد يحول الصراع من سياسي حول السلطة بين شرعية وانقلاب وبين دولة ومتمردين عليها، إلى منزلق طائفي ومذهبي، فالحوثي أيضا يستخدم الدين في إضفاء الشرعية ما يقوم به، وبقدر ما يدل إقحام الدين في الصراع الدائر حاليا، على حمق من يقوم به لا على الدين ذاته، إلا أنه يدلل كذلك على أن من يسوقون مثل هذه الفتوى إعلاميا وسياسيا لا يقلون حمقا وغباء، واليمن فيها ما يكفيها من الحمقى وفيها ما يكفيها من السخافات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى