الشرعية والعقدة السعودية!

  محمد اللطيفي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: سبتمبر 17, 2019

في كل مرة تحصل فيها الشرعية على فرص لإنقاذ نفسها وإنقاذ اليمن معها، تدع هذه الفرص تضيع منها وتتيرب من بين أيديها، تفعل الشرعية ذلك خوفا من السعودية وإرضاء لها، لدرجة يمكن فيها القول أن الشرعية أضحت مصابة بعقدة مزمنة اسمها السعودية، وهي العقدة التي تجعل رموز الشرعية (الرئيس ونائبه والحكومة)، أكثر حرصا على السعودية من السعوديين أنفسهم، بل إن الشرعية تبدو بمظهر أشد خوفا على المملكة يفوق خوفها على اليمن ذاته.

  يمكن أن نلحظ هذه العقدة المرَضية، في أغلب التصريحات والمواقف الصادرة عن الشرعية، والمتعلقة بأحداث انقلاب عدن (10/أغسطس)، وحتى الكلمة الأخيرة لمندوب اليمن في مجلس الأمن، فكلها لم تخرج عن سياق مراعاة وضع المملكة وعدم إحراج الرياض، وظلت في الحدود التي ترسمها الدائرة السعودية، وبما يتفق مع رؤيتها ومصالحها، وليس مع مصالح اليمن.

 لقد كان واضحا للعالم كله، أن الامارات دعمت ونفذت انقلاب عدن، بل وتجرأت بقصف الجيش اليمني، وتفاخرت بهذا القصف، وبصلف كبير وصفت الجيش بالارهابيين، وكان العالم كله شاهدا على دولة اعتدت علنا على سيادة اليمن، وكان يمكن لليمن أن تعلن بكل شجاعة ووطنية طرد الامارات واعتبار تواجدها احتلالا، والمطالبة الرسمية من السعودية اعفاءها من عضوية التحالف.

 لكن الشرعية اكتفت بوصف ما حدث للعالم، مع أن هذا العالم يعرف جيدا ما حدث، ولم تتخذ الشرعية أي إجراءات عملية تجعل العالم يقف معها، أصدرت بيانات وتصريحات تتهم الامارات؛ التي لا تنكر ذلك، بالرعاية الكاملة لانقلاب عدن، ولم تتخذ الحكومة أي إجراء عملي تجاه أبوظبي، وهو ما شجع الامارات على القيام بقصف جنود الجيش اليمني على حدود العاصمة المؤقتة، ومع ذلك اكتفت الحكومة بادانة القصف الإماراتي واشعار العالم بما حدث.

 صحيح أن موقف الحكومة كان متقدما مقارنة بمواقف سابقة، وصحيح أيضا أن اتهام الامارات بتنفيذ ودعم الامارات خطوة مهمة وشجاعة، لكنها تبقى خطوة نظرية بالنسبة للمجتمع الدولي، لا تحدث تأثيرا حقيقيا في دوائر صنع القرار العالمي، بل إن الشرعية وهي تخاطب العالم عبر مجلس الامن باتهام الامارات وتبرئة السعودية مما حدث، ثم القول بأن السعودية تبذل جهودا لحل الازمة، تبدو وكأنها تقول لهذا العالم، هذه مشكلة صغيرة محلية، المنوط بحلها هي المملكة وليس أنتم.

 بل إنه ومقارنة بين كلمتي مندوب اليمن الدائم في مجلس الأمن، عبدالله السعدي، يمكن الملاحظة أنه كان في الكلمة الأولى (20/أغسطس) التي تلت انقلاب عدن، أقوى وأوضح من كلمته الثانية (16/سبمتبر) التي تلت قصف الامارات للجيش، وكان في الكلمة الأخيرة أقل حدة من الاولى تجاه الإمارات، وهو ما يعطي انطباعا لدى الدول العضوة في مجلس الأمن، بأن السعودية احتوت الموقف، ولا توجد خطورة تستدعي تدخل المجتمع الدولي تجاه الإمارات.

 لنتذكر أن الخارجية اليمنية طالبت مجلس الأمن (29/أغسطس)، بعقد قمة طارئة لمناقشة الاعتداءات الإماراتية على اليمن، لكنها في كلمة مندوبها الدائم الأخيرة، لم تؤكد هذه الدعوة، ولم تشر حتى مجرد الإشارة إليها، وفضل السعدي عوضا عن ذلك الدفاع عن السعودية أكثر من مرة، حتى ليتخيل للسامع، أنه مندوب المملكة وليس اليمن.

 لماذا تفعل الشرعية ذلك؟ لأنها لا تريد اغضاب السعودية، وتحاول أن تظهر أمام الرياض حرصها على مصالحها، لكن بالمقابل ماذا تفعل الرياض تجاه هذه الحكومة التي تقدم مصالح الرياض على مصالح اليمن؟ تقوم الرياض بحماية الامارات المعتدية، وتسعى بكل ما أؤتيت من قوة لإرضاء أبوظبي.

 لقد بات واضحا أن آخر شئ تفكر فيه الرياض هو مصالح اليمن، تحرص السعودية على عدم خسران الامارات، وفي نفس الوقت إبقاء الشرعية تحت سيطرتها، مقابل بيانات ووعود كاذبة، مع أن كل الوقائع على الأرض تؤكد أنه لولا السعودية لما كانت الشرعية بهذا الضعف والهوان.

 وليس المطلوب من الشرعية معاداة السعودية ولا الوقوف ضدها، ولكن الوقوف مع نفسها واتخاذ إجراءات تعبر عن كونها تمثل دولة اسمها اليمن، يعترف العالم باستقلاليتها وسيادتها، وبدون طرد الامارات الآن من اليمن، فإن الشرعية ستجد نفسها يوما ما، مطردة حتى من الرياض نفسها، التي يتغنى وزراء الحكومة اليمنية، بأنها حريصة على أمن اليمن لأنه جزء من أمن السعودية، مع أن الأخيرة لم تعد تعرف كيف تتصرف لإنقاذ أمنها القومي ونفطها العالمي.