الشرعية إذ تعقد كل آمالها على البيان المراوغ للتحالف

ياسين التميمي

تأخرت الحكومة الشرعية كثيراً في الرد على التطورات الخطيرة التي تعصف بوجودها فيما يفترض أنها العاصمة السياسية المؤقتة للبلاد، وفي محافظة أرخبيل سقطرى التي تبعد مآت الأميال البحرية عن جبهات المواجهة مع الحوثيين، وحين ردت تضاعف الإحباط لدى اليمنيين من إمكانية الثقة بسلطة شرعية ضعيفة وخائرة القوى ومفككة إلى أقطاب ومواقف تصل إلى حد التآمر على الشرعية والدولة من داخلها.

انكفأ الرئيس عبد ربه منصور هادي كعادته عن الإدلاء بأي تصريح أو التعبير عن أي موقف يعيد الثقة لليمنيين بأنه لا تزال لديهم سلطة شرعية تحرس آمالهم وتطلعاتهم وتعيق المخططات التي لا تتوقف عن تقويض دولتهم وتفكيكها وإضعافها، وتم تسريب معلومات عن دخوله أحد مشافي الرياض لتلقي العلاج للتغطية ربما عن هذا العجز وعن هذا الهروب الفاضح.

لكن الثابت أن الرئيس هادي اختفى كما اختفى إبان الانقلاب الخطير الذي نفده المجلس الانتقالي على السلطة الشرعية في عدن في العاشر من أغسطس/آب 2019، ودفع بالحكومة لإصدار بيان اتضح فيما بعد أنه لم يكن كافياً للدفاع عن الدولة اليمنية وحمايتها من مخطط التقسيم الذي يمضي على قدم وساق بإشراف التحالف العربي، حيث ذهبت من بعده مرغمة إلى مفاوضات تفتقد إلى الشرعية والمشروعية والحكمة، مع طرف منفلت ومرتزق ويقاتل بالوكالة، وكان الجميع يعلم أنها المفاوضات لا تهدف سوى إلى تثبيت المكاسب السياسية للانقلاب المدعوم من التحالف .

بعد أيام من الحرب التي يخوضها الانقلابيون الجدد في سقطرى للإطاحة بالسلطة المحلية في محافظة أرخبيل سقطرى المجردة من السلاح، خرجت الحكومة ببيان مثير للإحباط، لكونه خلا من أية إجراءات عملية على الأرض وأهمها وأكثرها أولوية هي تعزيز الموقف العسكري للسلطة المحلية هناك.

فالبيان اكتفى بتأكيد “دعم الحكومة الكامل، للإجراءات التي اتخذتها السلطة المحلية بمحافظة ارخبيل سقطرى، واهمية التصدي الحازم لأي محاولات تستهدف النيل من امن واستقرار وسلامة المواطنين والحفاظ على استقرار سقطرى”. لكن ليس هناك أي شيء من الحزم الذي يفترض به أن يعدل الكفة لصالح الحكومة الشرعية في أرخبيل سقطرى سوى هذه العبارات مرتفعة النبرة التي جاد بها بيان الحكومة بعد اجتماع عقدته عن بعد بين أعضائها.

الأمر لا يختلف كثيراً بشأن التطورات الخطيرة في عدن والتي كان آخرها السيطرة على الموارد السياسية للدولة من قبل المجلس الانتقالي. فقد اكتفت الحكومة بـ”الرفض الكامل لأي تدخل في أداء وعمل مؤسسات الدولة والسطو على الموارد العامة”. قبل أن تحيل الأمر برمته إلى التحالف الذي تقوده السعودية، وتعرب عن تطلعها إلى “إجراءات من قبل تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، لتنفيذ البيان الذي أصدره حول ما أقدم عليه المجلس الانتقالي”.

قد تكون الحكومة حققت “اختراقاً” بإحالة الموضوع إلى العهدة السعودية التي، انحصر موقفها النهائي في بيان متأخر ومراوغ ويخلو من الحصافة السياسية، صدر باسم التحالف ودعا المجلس الانتقالي إلى إلغاء قرار الإدارة الذاتية للجنوب، وهو موقف فيه من الليونة التي تصل حد التآمر الواضح غير القابل للشك أو التأويل.

فها هو المجلس الانتقالي يرحب ببيان التحالف، ثم ُيتْبعُ بيانه بتأكيدات صدرت عن رئيسه المقيم في أبوظبي، على عدم تراجعه عن قرار إعلان الإدارة الذاتية، وهو إجراء إما أنه يأتي في إطار حرب باردة بين الرياض وأبوظبي وهذا مستبعد، أو أنه يأتي في سياق مخطط مشترك ومتفق عليه لتفكيك الدولة اليمنية على مراحل من خلال استنزاف مواقف الطرف الأصيل الذي يمثله معسكر الشرعية وهو احتمال تسنده أدلة عديدة.

ومن المعروف أن مواصلة استنزاف الشرعية يصب في صالح المشروع الذي تتبناه الإمارات وعهدت بتنفيذه إلى ميلشيا الانتقالي التي حصلت على تغطية كاملة من قبل السلطة الشرعية يوم كان الجميع يسوقون كذبة محاربة الإرهاب لتمكين هذه الأدوات التي تتحول اليوم إلى ركائز عسكرية وأمنية للمشروع الانفصالي.

لا يكترث محمد بن سلمان بما يجري في اليمن، في وقت يسارع فيه إلى الترحيب بتعيين رئيس وزراء جديد للعراق ويدعوه لزيارة الرياض في استجداء يعلم أنه لن يفيد مطلقاً، لأن الحكومة الجديدة لن تخرج عن عباءة طهران، وأن رؤساء الحكومات العراقية، لا يمكن فصلهم عن الأجندة الإيرانية تماماً مثلما أنه لا يمكن فصل الحوثيين عن الأجندة نفسها. ولكنه يتحرك في الفضاء المسموح ويناور بطريقة مبتذلة، في وقت يتمادى في الغرق في الساحة اليمنية دون أن يدري أن أفدح الضرر يأتي من إضعاف اليمن وتعمد إغراقه في الفوضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى