السعودية ومليشيا الحوثي.. “حب من طرف واحد”

محمد اللطيفي

“لم تصل اعتداءاته الأخيرة لتشكل تهديدا للمباحثات في مسقط”، هذه العبارة هي خلاصة إجابات وزير الخارجية السعودية، فيصل بن فرحان، على أسئلة وجهت له على هامش مؤتمر ميونخ الدولي للأمن، والذي انعقد في ألمانيا (14-16 فبراير 2020)، كانت الأسئلة منصبة حول ردود فعل السعودية على التحركات العسكرية الأخيرة لمليشيا الحوثي في المناطق المحاذية لمأرب، وأتت الإجابات لتكشف الستار المسدول حول “العقلية السعودية”، التي فيما يبدو لن تتغير، رغم كل الأحداث المتلاحقة، التي تحتم عليها تحديث نظام تشغيل سياساتها في المنطقة، وتعديل سلوكها في اليمن.

وبغض النظر عن صحة الروايات أو عدمها، التي تتحدث عن تواطؤ لوجستي اقليمي وخيانات داخلية، مهدت لانتصارات مليشيا الحوثي في منطقة نهم؛ التابعة لمحافظة صنعاء والمحاذية لمحافظة مأرب، فان تعليق الوزير السعودي عليها، يفتح الكثير من الشكوك حول مستقبل الدعم السعودي للشرعية، ومشروعية بقاء التدخل السعودي في اليمن بدون تعديل أو تغيير، وبات من الواضح أن السعودية لم يعد يهمها تهديدات الحوثي، طالما لن تطل حدودها أو عمق أراضيها، فالاعتداء الحوثي على الحليف اليمني؛ الشرعية هنا، لا يشكل خطرا على القناة الخلفية للمحادثات الثنائية، التي تتم في العاصمة العمانية مسقط.

ما يمكن استنتاجه أن “المحادثات مع الحوثي” تشكل استراتيجية سعودية مهمة في الوقت الحالي، مقدمة على الدفاع عن الشرعية أو دعمها، وهو أمر خطير يمكن البناء عليه، بأن المملكة قد تسير باتجاه تطبيع العلاقات مع الحوثي كحاكم فعلي غير معلن، لمناطق الشمال؛ خصوصا تلك المحاذية لحدودها، وتهدف المملكة من تنازلاتها المستمرة، إلى تغيير الحوثي بوصلة ولائه السياسي نحوها بدل إيران، مع أن الوقائع الحالية تؤكد أن الحوثي قد يناور تكتيكيا مع السعودية في مسائل ثانوية؛ مثل تبادل الأسرى، لكنه غير مستعد لتغير حليف إيراني موثوق به، بحليف سعودي له تاريخ المكر بالحلفاء.

وبالعودة إلى تصريحات وزير الخارجية السعودية السابقة، والتي قيّم فيها درجة خطورة الحوثي حاليا على مصالحه، ويمكننا من خلالها قراءة ماهية التهديدات الراهنة التي تشكل خطر على الرياض، فإذا ما ذهبنا شرقا باتجاه المهرة، سنجد إجابة لهذا الاستفسار اليمني المقلق لكثير من الذين ما زالوا يعتقدون أن السعودية معهم في خندق مواجهة الحوثي، ففي الوقت الذي تخوض في المليشيا الحوثية معارك تهدد وجود الشرعية في مأرب، تنشغل السعودية بمعاركها الخاصة في المهرة.

فلأول مرة تحلق طائرة الأباتشي السعودية لمؤازرة قواتها البرية، التي تخوض مواجهات ضد مواطنين محتجين على انتهاكات القوات السعودية لسيادة أراضيهم، في ظل سلطة محلية تعتبر هؤلاء المواطنين “متمردين”، وكانت القوات السعودية في طريقها إلى السيطرة على منفذ شحن الحدودي، لفرض إجراءات تقيّد حركة الناس والبضائع في المنفذ، وهي ليست المرة الأولى التي يدخل فيها أبناء المهرة في صدام مسلح مع قوات سعودية، احتلت الكثير من مؤسسات المهرة ومناطق استراتيجية فيها.

الأحداث المتقاربة زمنيا في (نهم والمهرة)، تفصح عن معادلة سعودية جديدة في “تقييم المخاطر التي تهدد أمن المملكة”، ولم يعد مهما التساؤل عن ما هي مصالح السعودية، مثلا، من اعتبار الاعتصام السلمي في المهرة خطرا مقدما على التحركات المسلحة لمليشيا الحوثي في حدود مأرب، المهم لنا كيمنيين هو ما هو موقف الشرعية والقوى المناوئة للحوثي، من البقاء في دائرة حليف لم يعد يعتبر الحوثي خصما حقيقيا في هذه الآونة.

صحيح أن علاقة السعودية بالحوثي الآن هي أشبه بعلاقة التودد من طرف واحد، لكن الأكيد أن علاقة السعودية بالشرعية لا زالت في إطار التبعية، تنظر فيها الرياض للشرعية كطرف من الأطراف المتصارعة في اليمن، وليس ككيان معبر عن اليمن كدولة، وهو ما يفرض وطنيا وسياسيا وحتى بموجب قوانين العلاقات السياسة الدولية، الخروج من دائرة العلاقة بين كيان (الشرعية) ودولة (السعودية) إلى علاقة بين دولة (اليمن) ودولة (السعودية)، لأن العلاقات الأخيرة هي وحدها من تحفظ كرامات الدول وتصون استقلال قرارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى