السعودية من تخوفها على حدودها إلى تخوفها على عاصمتها

زيد اللحجي
المجال: مقالات التاريخ: نوفمبر 7, 2017

بعد وصول صاروخ الحوثيين البالستي إلى قلب الرياض عادت إلى الأذهان مجريات الدقائق الأولى التي انطلقت فيها عاصفة الحزم منتصف ليلة 26 مارس 2015م، والتي كانت ردا سعوديا على المناورة العسكرية التي نفذها الحوثيون على حدود المملكة يوم 12مارس، أي قبل أقل من أسبوعين من انطلاق العاصفة.

حينها استشعرت المملكة الخطر القادم من الحوثيين على حدودها الجنوبية، ومن خلال تجاربها السابقة معهم كانت على يقين أن قواتها بما تملكه من تسليح وإمكانات ضخمة عاجزة عن تحقيق أي نجاحات حربية على الأرض، وأن بقاء الحوثيين على الحدود خاصة بعد سيطرتهم على أغلب المعسكرات بما تمتلكه من عتاد عسكري يشكل خطرا كبيرا وتهديدا لأمنها القومي، وليس أمام المملكة إلا تشكيل تحالف عربي تحت مظلة إعادة شرعية هادي وحفظ أمن واستقرار المنطقة.

ومنذو الدقائق الأولى وجهت السعودية ضربات تدميرية لكل المعسكرات ومخازن الأسلحة المملوكة للجيش اليمني الذي أصبح تحت سيطرة الحوثيين، وقد أعلنت بعد دقائق من انطلاق العاصفة عن تحقيق أهدافها، وتدمير ما يقارب من 80% من قوات الجيش اليمني وأسلحته، وبخاصة الدفاعات الجوية والصاروخية.

في بداية العاصفة لم يكن للحوثيين القوة الكافية لمواجهة المملكة ناهيك عن التحالف، فكل ماكان لديهم مليشيات قلائل طافت بها كل المحافظات بتنسيق وتواطؤ من المخلوع صالح الذي يعد الحليف الرئيس للمملكة والإمارات، لكنها مليشيات تمتلك نفسا طويلا، ومخزونا بشريا مؤدلجا، وخبراء إيرانيون يتطلعون للقضاء على السعودية.

لم تجد القوات التي حشدتها المملكة لحماية حدودها جيشا نظاميا يمكن مواجهته، ولم تجد عتادا عسكريا يمكن أن تدمره، فقد كان الحوثيون عبارة عن تشكيلات صغيرة يتنقلون من موقع إلى موقع، ومن قرية إلى قرية، أكبر وسيلة كانوا يتنقلون عليها(الدراجة النارية) وأكثر الأحيان ينقلون عتادهم على ظهورهم، ولم يستخدموا في حربهم مع السعودية دبابة أو مدرعة، ولم يكن لديهم مدافع أوصواريخ، وليس لديهم كذلك طائرات أو قاذفات صواريخ، كل الذي لديهم أسلحتهم الشخصية، أو مايستولون عليه من مواقع السعوديين.

لكنهم فاجأوا السعوديين بالاستيلاء على بعض المواقع والقرى الحدودية، أجبرتهم على تهجير مواطنيهم إلى مناطق آمنة في الداخل السعودي، وأصبح الحوثيون مسيطرين على كثير من المواقع  في الخطوط المتقدمة في نجران وجيزان وعسير، ولم يعد بمقدور القوات السعودية التعامل معهم إلا بالطيران الحربي أو المدفعية بعيدة المدى، ومع ذلك عجزوا عن حماية حدودهم، فقد كانت هجمات الحوثيين على القرى والمواقع السعودية ليست بغرض السيطرة بقدر ماهي إظهار لعجز السعوديين وضعفهم.

لاشك فقدت المليشيات كثيرا من عناصرها على الحدود السعودية، فالمليشيات لديها الكثير والكثير ممن تقدمهم وقودا لتحقيق غاياتها، ولايهمها أن يسقط من عناصرها العشرات أوالمئات أوالآلاف، فالقبائل جاهزة لرفد الجبهات بالمقاتلين، المهم عندها أن تكون غصة في حلق السعوديين.

الجريمة التي وقعت فيها السعودية وأدت إلى هزيمتها في حربها مع الحوثيين هي استخفافها وتقليلها من شأن المليشيات الحوثية، وأكبر لعنة تصيب الجيوش عندما تستهين بعدوها، وهكذا فعلت السعودية، فوقعت في شر أعمالها.

استخدمت السعودية في حربها مع الحوثيين استراتيجية إطالة المعركة ظنا منها أن فيها إنهاك للمليشيات، وتدمير لعتادها العسكري، ولم تضع في حسبانها أن إطالة المعركة لن تدمر إلا المواطنين الأبرياء، أما المليشيات الحوثية فقد ازدادوا قوة إلى قوتهم.

وكانت تظن كذلك أن طلعاتها الجوية كفيلة بتركيع الحوثيين، وأن تحالفا ضم أكثرمن  14 دولة كفيل لجعل الحوثيين يركضون نحو طلب العفو والسماح منها، ولم تتوقع أن تلك المليشيات التي حددت فترة زمنية قصيرة للقضاء عليها ستتحول بعد ثلاث سنين حرب إلى قوة ضاربة تهدد عاصمتها البعيدة جدا عن الحدود.

وهو ما حصل فعلا، فقد تحول الحوثيون خلال فترة الحرب الممتدة لثلاث سنين من مدافع إلى مهاجم، ومن مليشيات مستهلكة للأسلحة إلى خبراء تصنيع وتطوير للأسلحة، وباتت مدن السعودية التي تبعد عن الحدود آلاف الكيلومترات تحت السيطرة النارية لصواريخ الحوثيين البالستية.

وهنا نستطيع القول أن السعودية فشلت في حماية حدودها، وهزمت في حربها مع الحوثيين، عسكريا واستخباراتيا، ويؤكد ذلك إجراؤها الأخير بإعلان قائمة بأربعين مطلوبا حوثيا، وتخصيصها مايقارب نصف مليار دولار لمن يبلغ عنهم، مع أن هؤلاء المطلوبين لم يكونوا غائبين عن الأنظار، ولا يختبئون في جحور تحت الأرض، وإنما تعرف أماكنهم المملكة وتحالفها، وتنقل تحركاتهم ولقاءاتهم وأنشطتهم في وسائلها الإعلامية، ولم تستهدف منهم أحد، بينما تستهدف طائراتها الأبرياء والمساكين.

عندما نتحدث هنا عن هزيمة السعودية على حدودها لسنا في موضع تضخيم المليشيات الحوثية، فالإمكانيات التي تمتلكها السعودية قادرة على هزيمة أقوى الجيوش في العالم، فكيف إذا ما أضيف لها إمكانيات دول التحالف، ولكن الهزيمة التي منيت بها القوات السعودية ناتجة عن سوء إدارة المعركة، وقصور في التخطيط والتكتيك العملياتي، والذي لاشك كان للإمارات العربية المتحدة دور بارز فيه، فهي تسعى لإضعاف السعودية، وإن كانت حليفا أساسا لها.