السعودية في “مأزِق” الحوثي!

محمد اللطيفي

 

لا يفهم الحوثي غير لغة القوة، هذه معادلة لا تحتاج لنقاش، عند الحديث عن أي جماعة مليشاوية مسلحة، خصوصا إذا ماكانت ذات بعد عقدي، ومع ذلك فإن السعودية؛ ورغم امتلاكها لكل أدوات القوة، المحلية والإقليمية والدولية، إلا أنها تريد الجري وراء أمل واهم، لإخضاع الحوثي لقناعة بقبول تسوية سياسية تصالحية، تفضي لضمان أمن المملكة.

لقد سنحت للرياض فرصا كثيرة لتحقيق هزيمة مذلة بمليشيا الحوثي، خلال السنوات الماضية، شريطة دعم جاد لحلفائها في اليمن، (الشرعية)، ولكنها فضلت السعى وراء خطة مستحيلة، عبر اضعاف نفوذ هادي السياسي وجيش الشرعية وحزب الاصلاح، بالتزامن مع إبقاء الحوثي في نطاق صنعاء ومحافظات شمالية، ظنا منها بأنها وحدها من تستطيع هزيمته معنويا، وضمه كتابع لها، في تكرار لتجربة سابقة للمملكة مع أئمة ما قبل ثورة سبتمبر (1962).

بعد خمس سنوات، اتضح أن المملكة رهينة “المراهقة السياسية” لولي عهدها محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي لها، وأن الحرب السعودية في اليمن، لم تشن وفق رؤية مدروسة ومخطط لها، بل كانت اليمن واحدة من الجسور التي ظن بن سلمان أن مغامرته العسكرية فيها، ستمثل نقطة مهمة في وصوله السريع لسُدة حكم المملكة.

في فن الحروب، المعارك لا تشن لمغامرة عاطفية، لأن نتائجها المحتومة لا تحصى من النكسات، وقد وجدت السعودية نفسها أخيرا وسط حرائق كبيرة في السياسة والاقتصاد، بسبب أن مراهقها المدلل يريد حسم حربه في اليمن، بنتائج خارج المنطق، عبر اضعاف سلطة الشرعية في المناطق المحررة وتقوية مليشيا الحوثي في المناطق الخاضعة لها.

ورغم أن نتائج السياسة السلمانية كانت واضحة الخسائر؛ ليس لليمن فحسب بل أيضا للسعودية نفسها، سمعة ومكانة، إلا أن “المَلِك القادم” لا يريد الاعتراف بفشل مغامراته، ولذا يسعى؛ وفق مركز سترتفور الأمريكي، إلى الخروج الآمن من “مستنقعه” في اليمن، بتسوية ظاهرها النجاح، وباطنها الخزي والمهانة.

يؤكد مركز سترتفور، الذي يعنى بالدراسات الأمنية والاستخباراتية، على أن الرياض تبذل جهودا مكثفة عبر وسطاء دوليين، لصياغة تسويات تصالحية، تبقي الحوثي كقوة سياسية وعسكرية فاعلة في مناطق شمال اليمن، مقابل التعهد بإيقاف التهديد المستمر للأمن القومي السعودي، ولكن ما هي الضمانات التي ستجعل مليشيا تتلقى توجيهاتها من إيران، خاضعة لتسوية من هذا القيبل؟.

في الحقيقة، فإن الرياض، لا تريد الذهاب نحو حل أسهل لهزيمة الحوثي، عبر الاعتراف عمليا بسيادة اليمن ووحدته، واحترام الكيان المعبر عنه؛ الشرعية، ودعمه سياسيا وعسكريا ببسط سيطرته على المناطق المحررة، وتوحيد الجهود لمواجهة الحوثي، بل تفضل؛ كما تدل حقائق كثيرة، تسوية حقيقية مع الحوثي، على عودة اليمن قوية وذات سيادة.

تريد الرياض من الحوثي أن يصبح مثل مليشيا الانتقالي، ضيفا في الرياض ويعطيها ولأبوظبي أفضلية التبعية والتحكم بالثروات والمواقع السيادية، ولكن الحقيقة المرّة أن الحوثي ليس الانتقالي، هو يدرك جيدا أن الرياض حليف غير موثوق به، ولا يحترم حلفائه، ولذا فإن طهران تشكل له حليف داعم ومهم، يضمن استمرار قوته، وفق تفاهمات تفيد إيران والحوثيين معا.

في كل الأحوال، فإن الرياض تجد نفسها مع إدارة جديدة أمريكية بعد فوز جو بايدن،  في مأزق التعامل مع الحوثي، فبايدن سيسعى لتغليب الدبلوماسية في التعامل مع إيران، وهذا سينسحب على التعامل مع مليشيا الحوثي، ولذا فإن الحوثي لن يعد مضطرا للخوف مما ستفعله الرياض في التوجه الأمريكي للسلام، الذي سيفضي بالطبع إلى ضغوط أمريكية على السعودية، بمعنى أن القادم سيكون هدايا سياسية مجانية للحوثي.

وفي ظل التصلب السعودي نحو حماية فشلها في اليمن، فلا طريق لبن سلمان سوى الهروب نحو حضن تل أبيب من ضغوطات متوقعة من واشنطن، وهذا ما يحدث بالضبط .. فلتصبح كل الأجواء العربية “صهيونية”، إن كان في ذلك ضمان لكرسي الـ”مُلك”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى