السعودية تفصح عن وجهها الحقيقي في اليمن!

محمد اللطيفي

ما الذي تفعله اللجنة السعودية في محافظة أبين؟.. هذا السؤال مهم لفهم التوجه السعودي القادم، في التعامل ليس فقط مع المناطق الجنوبية، بل أيضا في كل المناطق التي تسمى بـ”المحررة من الحوثي”. فاللجنة التي تضم ضباطا سعوديين، وصلت في الـ(24) من يونيو (2020)، قادمة من مقر التحالف بعدن، بناء على البيان الذي صدر من قبل التحالف السعودي الإماراتي في الـ(22) من يونيو (2020)، والذي نص على ضرورة الفصل بين مواقع القوات الحكومية وقوات المجلس الإنتقالي.

اللجنة السعودية التي تتواجد في أبين، وفق معطيات ميدانية، بدأت بالوصول إلى منقطة (الشيخ سالم) حيث مقر تمركز عمليات مليشيا المجلس الانتقالي، ثم انتقلت لزيارة مقر تمركز القوات الحكومية في (دار سلا)، مع الإشارة إلى أن المسافة بين المنطقتين (6) كيلو متر تقريبا، وبحسب مصادر عسكرية، فإن الضباط السعوديين يهدفون إلى فرض هدنة طويلة الأمد، ومنع حدوث تقدمات لأي طرف، لإتاحة المجال لقيادة التحالف جمع طرفي الحكومة والإنتقالي على طاولة واحدة في الرياض، للتفاوض حول كيفية تفعيل اتفاق الرياض الموقع في نوفمير (2019).

في الحقيقة فإن السؤال حول مدى نجاح أو فشل اللجنة السعودية في تأدية مهامها الموكلة لها والمتمثلة بتحقيق تهدئة عسكرية! لم يعد مهما في سياق النظر لنتائج عمل اللجان السعودية السابقة في عدن وسقطرى، حيث كانت المهام المعلنة لها تتناقض والنتائج المترتبة على الأرض، ومن هنا فإن الكثير من الشكوك تحيط بتواجد اللجنة السعودية في أبين، حيث تُستحضر تفاصيل سقوط عدن بيد مليشيا الانتقالي عبر انقلاب أغسطس (2019)، الذي تم بدعم عسكري إماراتي، لكن ما كان لهذا الإنقلاب أن ينجح لولا التدخل السعودي الذي تواطء لصالح استيلاء الانتقالي على المؤسسات الحكومية السيادية، رعم كونها في عهدة الحماية السعودية. كما أن تفاصيل سقوط عاصمة أرخبيل سقطرى لا تزال في الذاكرة القريبة جدا، حيث انسحبت قوات الواجب السعودية من نقاطها العسكرية التي تحيط بالعاصمة، وسمحت لمليشيا الإنتقالي بالتحرك لاقتحام العاصمة.

في كل الأحداث التي كانت وما زالت تجري بين الجيش والمليشيا الإنتقالية، يتكرر ذات السيناريو بحذافيره، مواجهات عسكرية بين الجيش والمليشيا بدعم إماراتي، ثم حدوث تقدم للجيش، يعقبه تدخل سعودي يفرض وضع ميداني يعيد القوات الحكومية إلى مواقعها السابقة، ويستحدث نقاطا سعودية كانت بيد الحكومة، ليتم بعدها انسحاب النقاط السعودية من أماكنها وتسليمها للمليشيا الانتقالية، يلي ذلك سقوط جديد لمدينة جديدة، ليأتي التدخل السعودي السياسي لفرض واقع جيوسياسي جديد، مبنى على انتصار جغرافي للمليشيا ومساواة سياسية بين الحكومة والمتمردين عليها، والمبرر الدائم تنفيذ “اتفاق الرياض”.

حاليا، فإن اللجنة السعودية التي ظهرت فجأة في محافظة أبين، تثير الريبة، كونها أتت على وقع التقدم الذي أحرزه الجيش في مناطق مهمة، يعد الانتصار الحكومي فيها مقدمة للاستيلاء على مدينتي زنجبار وجعار، حيث يمثل الاستيلاء على المدينتين بمثابة نقطة انطلاق عسكرية للتقدم نحو عدن.

للأسباب السابقة، يفسر معارضون للتدخل السعودي وناقدون لأداء الحكومة، مجيء اللجنة السعودية إلى محافظة أبين، في إطار تجميد تقدم القوات الحكومية، ومنع حدوث أي انتصار يغير من الخطوط الحمر التي وضعها التحالف، وهذه الخطوط محمية باتفاق الرياض، الذي أضحى بمثابة سلاح سعودي لتهديد الحكومة أكثر من كونه لتهديد للإنتقالي.

لقد أفصح بيان التحالف الأخير؛ بيان الـ(22) من يونيو، عن نية السعودية دون رتوش، فعكسا للبيانات السابقة التي طالما كانت تكرر لوازم (الحكومة الشرعية، والمرجعيات المعلنة، وحماية وحدة اليمن واستقراره،،،)، أتى البيان السعودي الأخير واضحا في لغته، التي تعاملت مع الحكومة والإنتقالي كطرفين يمنيين يتصارعان؛ على الأسلحة في سقطرى (كما هي رواية صحيفة الشرق الأوسط المقربة من الدوائر الملكية)، وكأن السعودية تقول بشكل واضح: إنها طرف محايد في الصراع الدائر في المناطق الجنوبية، مع أن وقائع الميدان تثبت بأنها داعم لوجستي للمجلس الإنتقالي، ومعيق وحيد أمام انتصار القوات الحكومية.

يمكن القول؛ أن سياسة “توازن الضعف” السعودية، التي طالما انتهجتها المملكة منذ سنوات في اليمن، في التعامل مع الأطراف اليمنية؛ بغض النظر عن كونها شرعية أم مليشيا، قد خرجت عن مسارها وذهبت باتجاه تقوية الطرف المتمرد على الطرف الشرعي، وفي حقيقة الأمر فإن الرياض أضحت تنفذ بشكل معلن ما خفي من “نواياها”، فهي تريد أن تحتوي المليشيا الإنتقالية تحت مظلتها، بعد أن فرضت قيودا كثيرة على تحرك الحكومة الشرعية من تبعيتها، وحاليا تستضيف الطرفين في الرياض، وفي النهاية فإن ما تفعله السعودية، ما هو إلا تنفيذ حقيقي لـ”روح” اتفاق الرياض، الذي ساوت بنوده بين الشرعية والمليشيا.

وللتذكير هذا ما فعلته “اتفاقية السلم والشراكة” في صنعاء بين الشرعية ومليشيا الحوثي، وما فعله أيضا اتفاق السويد في الحديدة، كلها وضعت قيودا على تحرير الشرعية للمناطق المختطفة من يدها،  وخطوط حمر على استعادتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى