“الراوي العنيد”.. كيف يعيش صحافي يمني لاجئ في سويسرا هموم وطنه؟!

اليمن نت- متابعة خاصة:

نشرت مواقع وصحف سويسرية مقابلة مع الصحافي اليمني الموجود في برن صدام أبو عاصم الذي أصبح لاجئاً وعائلته فراراً من الحرب في البلاد التي تدخل عامها السادس.

ونشرت مقابلتين له الأولى في موقع “جورنال بي” والثانية موقع (swissinfo.ch)، حسب ما أطلع عليها “اليمن نت”.

ونشر موقع (swissinfo.ch) يقول: نادراً ما نجد يمنيين في سويسرا. لكن الصحافي صدّام حامد أبو عاصم يعتبر أحد القلائل الذين نجحوا في اللجوء إلى هنا، فراراً من الحرب الأهلية. وفي سويسرا، يمكنه أن يكتب ما يحلو له. إلا أن حياته الآمنة هنا تكلفه ثمناً باهظاً.

حافي القدمين، فتح لنا صدّام حامد أبو عاصم باب شقته الوضيئة في بناية سكنية قديمة بمدينة برن. بالنسبة لأي مواطن سويسري، تعتبر التدفئة في منزل أبو عاصم عالية جدا. وقد حكى لنا صدّام قبل ذلك ذات مرة، أنه لم يكن يتخيل هذا “البرد القارس” في سويسرا، قبل أن يأتي إلى هنا.

غرفة المعيشة تحوي أثاثاً بسيطاً وقليلاً: كنبة، ومنضدة ومكتبة منخفضة. فوق المنضدة توجد نسخة من جريدة “بليك” الشعبية (تصدر بالألمانية من زيورخ)، وكتب باللغة العربية، وآخر بالألمانية بعنوان “من يحكم سويسرا”.

حينما جلسنا، صدر صوت من الغرفة المجاورة، مزيج من الغرغرة والصرير. قفز صدّام من مكانه واختفى. وسرعان ما عاد ومعه لفة صفراء على ذراعه. “هذه هي نسمة، أميرتي الصغيرة”، هكذا قدم لنا ابنته حديثة الولادة.

فالزوجة والإبنة هما كل أقارب صدّام في سويسرا. إذ ظل والداه وإخوته الستة في اليمن. “إن أغلب اليمنيين لا يفضلون ترك وطنهم”، يقول صدّام. “أما من ينزح برغم ذلك، فإنه يذهب إلى البلدان المجاورة”. وحدهم شديدو الثراء هم من ينجحون في الوصول إلى أوروبا. أما وجود صدّام هنا، فيرجع الفضل فيه إلى عمله كصحافي حر.

في عام 2015 نزح صدّام من اليمن إلى السعودية، حيث عمل كصحافي برغم حمله لتصريح إقامة مؤقت. وفي ديسمبر 2015 سُمح له بصفته عضو الوفد الإعلامي بالسفر لحضور مباحثات السلام الأممية بشأن اليمن، وذلك بغرض تغطية المؤتمر صحافياً. حيث انعقدت هذه المباحثات بالقرب من مدينة بيرن.

وقد جاءت ردود الفعل على تقارير صدّام سلبية سواء من أعضاء الوفد الحوثي، أو من ممثلي الحكومة اليمنية. إذ أوضح له كلا الطرفين المتنازعين، أنه سيعرّض نفسه لخطر كبير سواء في اليمن أو في السعودية، إذا ما استمر في عمله الصحافي، وفق ما رواه صدّام. لذلك اختار البقاء في سويسرا وتقدم بطلب لجوء. “فبدون ذلك المؤتمر لم يكن لي لأصل إلى سويسرا”، يلخص صدّام، الذي ينخرط حالياً كـ ناشط لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة لصالح اليمن.

 

حب غير تقليدي

أكثر من عامين قضاها صدّام وحده في مركز لإيواء اللاجئين بسويسرا، منتظراً صدور القرار بشأن طلبه للجوء. أما زوجته ألطاف، فلم يستطع استقدامها إلى سويسرا سوى مطلع عام 2019 في إطار جمع شمل العائلة.

“لقد كان الأمر في غاية الصعوبة، أن نظل منفصليْن طوال هذه المدة”، كما تقول ألطاف. ويكمل صدّام: “لقد استغرق الأمر أكثر مما تخيلنا”؛ إذ تحولت عدة أشهر إلى أربعة سنوات.

وكانا قد التقيا في مقر إحدى الصحف بصنعاء. حيث كانت ألطاف تتلقى تدريبا، وكان هو صحافي. وفي عام 2014 تمت خطبتهما ـ هو ابن الفلاح القادم من الريف وهي طالبة الاقتصاد ابنة العاصمة. وكان هذا أمراً غير معتاد. كما لم يكن من المألوف بالنسبة لليمنيين المحافظين ألا تعرف العائلتان بعضهما البعض. لكن الآن أصبح كل شيء على ما يرام، كما يؤكد صدّام: “فأمي تضطر بسبب إصابتها بمرض السرطان إلى الذهاب إلى صنعاء بصورة منتظمة لإجراءات فحوص طبية، وهناك تزور عائلة زوجتي”.

النشأة في “سويسرا اليمن

ولد صدّام في عام 1980 بقرية صغيرة بمحافظة إبّ، اللواء الأخضر، كما يقول اليمنيين. ويعتبر هذا الإقليم بمثابة “سويسرا اليمن”، ذلك لإنه جبلي وأخضر وخصب بفضل سقوط الأمطار. كما أن هناك تشابهات أخرى: فاليمنيون يعتبرون هادئون ومتحفظون ـ مثل السويسريين تماماً. وكذلك: فإن أم صدّام تربي بقرة وتصنع من حليبها جبناً.

كما يعمل الأب كفلاح. وهو يحب سماع الراديو وقراءة الصحف. لذلك كان حلم العمل الصحفي يراود صدّام وهو لم يزل بعد طفلاً. وقد درس في صنعاء الاتصال وعلوم الإعلام وعمل لعدة سنوات كصحافي باليمن.

فازر صدّام بـ جائزة تقديرية  عن تقرير صحفي أعده حول الأقلية اليهودية في اليمن. فاليهود في اليمن لديهم تاريخ يمتد لألف عام. إلا أن أغلب اليهود اليمنيين قد هاجروا حتى عام 1950، وقد ظل أقل من 300يهودي يعيشون حتى عام 2009 في اليمن. لكن المتمردين الحوثيين الشيعة وكذلك تنظيم القاعدة كانوا يهددون هذه الأقلية الصغيرة. حيث قال المتمردون الحوثيون لليهود: يجب أن تعتنقوا الإسلام ـ أو أن ترحلوا”، كما يروي صدّام. لقد فر اليهود إلى صنعاء، على حد قوله. وسألناه، إذا ما كان يعلم ما حدث في الأثناء لهؤلاء الأشخاص الذين حاورهم. “نعم”، يقول صدّام. “لقد فروا جميعاً إلى إسرائيل”.

مزيد من حرية الصحافة في ظل حكم الديكتاتور

كذلك نزح زملاء صدّام من الصحافيين. إذ أصبح عملهم في اليمن شديد الخطورة. “في السابق وتحت حكم الديكتاتور علي عبد الله صالح كانت لا تزال هناك حرية صحافة، حتى أكثر من البلدان المجاورة لليمن”، يقول صدّام. كما أن تنوع الصحافة كان يحظى بوضع جيد: “كانت هناك 80 صحيفة و20 محطة تليفزيونية”. أما الآن فلم يعد هناك شيء من ذلك. حيث أغلقت نصف هذه الصحف وفقاً لتصريحات صدّام، وزج بالكثير من الصحافيين في السجون.

“لقد ظل عمي شهرين في السجن”، يروي صدّام. إذ استجوبه الحوثيون عن ابن أخيه ومقاله الصحفي وانخراطه في الأمم المتحدة. “وكانوا يظنون أن عمي يمدني بالمعلومات”، كما أوضح صدّام.

ولأول مرة بدا مرتبكاً قليلاً. فقد رد على سؤالنا ما إذا كان لا يساوره أي خوف، بقوله: “لست أخاف على نفسي، بل على أسرتي”. صحيح أن المنطقة التي تعيش فيها أسرتي، لا يسودها النزاع حالياً. لكن إبّ تقع تحت سيطرة المتمردين الحوثيين الشعية ـ بينما أسرة صدّام سنية.

ومن لا يواجه المتمردين، فإنه يُترك وشأنه. لذلك فإن أمه ترجوه دائماً، بأن يظل هادئاً، لكن برغم ذلك يجب عليه الاستمرار. “فإذا كنت صحفياً، فإنك لا تملك فعل شيئاً آخر”، يوضح صدّام بصوت واثق. فهو لم ينسَ وطنه ويحاول عمل شيئاً لأجل الفقراء في اليمن.

 

أمل كبير في الابنة

فضلاً عن ذلك، فإن حلم صدّام الأكبر هو أن يستمر في العمل كصحفي، إما كمراسل لصحف عربية أو لوسائل إعلام سويسرية باللغة الألمانية.

تعيش الأسرة الشابة حالياً على المساعدات الحكومية. ويساور صدّام خوف، أن تضغط عليه السلطات للقبول بأي عمل، مثلا في مجال التنظيف أو الطبخ. “ففي سويسرا يعتبر العمل هو الأهم”، يقول صدّام. وهذا ما يؤرقه أحياناً، ذلك لأنه يتمنى التمسك بوظيفة أحلامه كصحافي. وقد تقدم مؤخراً إلى منظمة غير حكومية لشغل وظيفة للعمل مع المهاجرين.

وفي إطار الجولات المتحفية تحت عنوان “ملتقى ـ المتحف بعيون النازحين”، يرشد صدّام بعض الزوار في جولاتهم بمتحف برن التاريخي. كما يتصور أن في إمكانه العمل كمترجم فوري.

هل لدى ألطاف كذلك أحلام بشأن حياتها في سويسرا؟ تضحك وتقول: “في الواقع، إنني أحلم بالتمكن من العودة إلى اليمن”. فليس لديها هنا أقارب وبالكاد لديها بعض الأصدقاء. وصحيح أنها قد ارتبطت بصداقة مع إحدى السيدات من التبت وأخرى من تركيا في مركز لإيواء اللاجئين. لكن ألطاف تتكلم فقط الإنجليزية قليلاً ولم تتعلم الألمانية بعد، وهو ما يجعل الأمر صعباً. وفي سويسرا يعيش عدد قليل جداً من اليمنيين. وجدير بالذكر أنه قد تقدم ما بين عامي 2009 و2019 حوالي 50 يمنياً سنوياً في المتوسط بطلبات لجوء إلى سويسرا. ويتم قبول ما يقارب من نصف هذه الطلبات.

فألطاف لديها حنين للوطن وهي تعاني من عدم تمكنها من زيارة أسرتها في اليمن. إذ أن والديْها متقدمان في العمر بالفعل. كما تفتقد تلك الزوجة ابنة التاسعة والعشرين الطعام اليمني. فالطعام السويسري كالفوندوِ والراكليت لا يروقها. فحينما تذوقت أطباقا سويسرية وكانت حاملاً وبالتالي شديدة الحساسية للروائح. وبالفعل فإن تلك الأطباق السويسرية التقليدية المصنوعة من الجبن ذات رائحة قوية، وهي لا تتحملها.

كما ترغب ألطاف في تعلم الألمانية، لتتمكن كذلك من استكمال دراستها. ويضع كلاهما آمالاً عريضة على ابنتهما نسمة ـ والتي يفترض أن تظل ابنتهما الوحيدة على حد قول صدّام. “يجب أن تتمكن نسمة من الذهاب إلى مدرسة جيدة والحصول على تعليم جيد”، تقول ألطاف. “إن شاء الله”. فهي تأمل أن تتحدث ابنتها “ثلاث لغات كالسويسريين رجالاً ونساءً “.

نظرة الزوجين إلى مستقبل اليمن يطغى عليها التشاؤم. “لقد كانت اليمن تعاني من مشكلات، حتى قبل الحرب”، يقول صدّام. “فلم تكن أبداً هادئة”. لكن الأمل في تحسن الأحوال في القريب العاجل، لا يرواد أياً منهما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى