الدماء تسكب مجدداً في مذبح الحرية والجمهورية

اليمن نت _ ياسين التميمي

تحل غداً يوم غد السبت الذكرى الـ:58  لثورة 26 سبتمبر الخالدة، التي ما فقدت بريقها أبداً رغم العقود الستة التي مرت عليها وشهدت معها تحولاتٍ عديدةً أفضت في جانب منها إلى تغيير واقع اليمنيين، ووضعتهم  في المقابل أمام تحديات لا حصر لها،  أشدها وطأة وسوءاً عودة فلول الإمامة مجدداً إلى المشهد في محاولة يائسة لبعث مشروعها الإمامي المدفون.

وحتى لا يأخذ الطرح منحاً حالماً ومنافياً للواقع؛ فإن ما يجب أن نسلم به حالياً هو أن صنعاء باتت رهينة في أيدي المشروع الإمامي، واستعادتها لن تتم بالتمنيات أو بالبناء على النوايا الحسنة أو حتى على الإيمان الراسخ لدى سكان العاصمة أنفسهم ومن ورائهم سائر اليمنيين، بأن العصابة الحوثية هي جسر النكوض المغمور بالدم إلى الماضي الإمامي الكهنوتي البغيض.

إن أقوى الضربات التي تعرض لها النظام الجمهوري وثورة السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة، هي التسوية التي انتهت بها حروب الدفاع عن الثورة، لأنها أنهت الحدود الفاصلة بين من يؤتمنون على الجمهورية وبين أولئك الذين مثلوا خميرة طويلة الأجل للثورة الإمامية المضادة في جسد الدولة اليمنية، بدأت مع مرور الوقت في نخر النظام الجمهوري وإفراغه من مضمونه ووأد أهداف الثورة.

يجب أن نعترف بأن النفوذ الذي مارسته السعودية على قرار الجمهورية العربية اليمنية بعد المصالحة مع الملكيين، قد وجه أقوى ضربة لبنيان النظام الجمهوري العتيد، لأنه رهن مصير الجمهورية بإرادة نظام ملكي مجاور لم يستهدف النظام الجمهوري فقط؛ بل ظل يعمل من أجل أن تبقى الدولة اليمنية تعاني من الهشاشة ومن ارتخاء قبضتها على أراضي البلاد وبالأخص على الأجزاء الشمالية المتاخمة للمملكة، حتى يتسنى له احتواؤها، وقضم جغرافيتها، والاستئثار بثرواتها، ومنع أية محاولة لتعزيز الدولة بالموارد والثروات الطبيعية وخصوصاً النفطية والغازية.

مارست الرياض نفوذها المطلق على صنعاء عبر ما يعرف بـ: “اللجنة الخاصة” وهي شعبة مخابرات واسعة النفوذ أسسها في مطلع ستينيات القرن المنصرم الملك فيصل بن عبد العزيز، وبقيت تعمل لعقود تحت إشراف الأمير سلطان بن عبد العزيز الذي تحكم بشكل مطلق بملف علاقات بلاده مع اليمن، وتولى رئاسة الجانب السعودي في مجلس التنسيق السعودي اليمني، الذي كان يرأسه من الجانب اليمني رؤساء الحكومات المتعاقبين.

وعبر هذه اللجنة الخاصة وما كانت تضخه من أموال؛ أتيحت للرياض فرصة ممارسة دور مطلق في صناعة الرؤساء والتحكم حتى في العقيدة العسكرية والأمنية، وهو الأمر الذي سمح بتسلق شخصيات انتهازية إلى هرم السلطة، وتوفرت لديها الاستعدادات للقيام بكل المهام القذرة التي تتفق مع الأجندة السعودية.

لقد مثل هؤلاء عبئاً ثقيلاً على النظام الجمهوري، ووفروا الفرصة لخميرة الثورة المضادة أن تنمو وتتمدد وتسيطر على مفاصل الدولة وتوجه أقوى الضربات للنظام الجمهوري، وبات بوسعهم أن يستثيروا ذاكرة اليمنيين لإجراء مقارنات بين الراهن الجمهوري والماضي الإمامي، وتسويق عبارات كما لو كانت عفوية، من قبيل “الله يرحم الإمام” مع كل موقف تتكشف معه عيوب العهد الجمهوري أو إخفاقات حكوماته، وعلى نحو أبقت الإمامة خياراً يمكن استحضاره في أية لحظة دونما تصادم مع المشاعر الوطنية لليمنيين.

لم يتردد علي عبد الله صالح الذي شغلت رئاسته ثلاثة أرباع العهد الجمهوري في المساومة على هذا النظام أملاً في إمكانية استعادة سلطته التي فقدها نتيجة ثورة الحادي عشر من فبراير 2011 الشبابية الشعبية المباركة.

ولم يتردد نائبه القادم من الجنوب، ومن خلفية اشتراكية، عبد ربه  منصور هادي في المساومة على النظام الانتقالي الذي أنتجته ثورة وتبوأ بفضلها منصب رئيس الجمهورية، ثم لم يلتفت إلى الشعب، وسار خلف مخططات القوى الخارجية التي رآها قوية، وبوسعها مكافأته في البقاء على رأس السلطة في جمهورية محفوفة بالمخاطر.

ها نحن اليوم وبسبب مسلسل الخيانات المفضوحة التي أقدم عليها حكام الجمهورية السابقون والجدد، مضطرون إلى خوض معركة الخلاص مجدداً والتي نثق تماماً أنها ستنتهي بالنصر على فلول الإمامة الذين استحوذوا على الدولة، وباشروا في تقديم الإمامة بالتقسيط عبر خطاب صاخب يضج بالكراهية واللعان والسباب، وبالاستعلاء على الشعب اليمني، ويمضون في الإجراءات المتتالية لتغيير بنية الوعي وسلب الإرادة وتكريس النظرية الكهنوتية للحكم، وهي مساعي لم يعد لها مكان في زمن الجمهورية رغم الانكسار الراهن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى