الحوثيون يشنون حربا مفتوحة على برنامج الغذاء العالمي .. كيف نهبت المساعدات وما الهدف ؟

اليمن نت - تقرير خاص:
المجال: أخبار, تقارير التاريخ: يناير 6, 2019

تصاعد الخلاف في الآونة الأخيرة بين جماعة الحوثي المسلحة، وبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، وسط اتهامات متبادلة بين الجانبين بنهب المساعدات.

وقال برنامج الأغذية العالمي إن الحوثيين ينهبون المساعدات الغذائية الخارجية، ويتاجرون بها علنا في السوق السوداء، ووصف المدير التنفيذي للبرنامج “ديفيد بيزلي” هذه الممارسات بمثابة سرقة الغذاء من أفواه الجوعى، وتلك لهجة شديدة لأول مرة تتعرض لها جماعة الحوثي، من منظمة أممية.

وجاء هذا الاتهام الأممي والصريح بعد أربع سنوات من الحرب التي تطحن البلاد، تلقت خلالها البلاد مساعدات بمليارات الدولارات لكنها على الأرض لم تمنع تفشي المجاعة وانتشار الأوبئة، كما أن أصوات ملايين اليمنيين بحت وهي تشكي عدم وصول المساعدات إليهم، حتى أن الحكومة الشرعية والتحالف العربي قدما الكثير من الأدلة على أن الحوثيين ينهبون المساعدات القادمة عبر ميناء الحديدة، ويتحكمون بتوزيعها لأنصارهم عبر جمعيات ومنظمات محلية حديثة أنشأها الحوثيون، وتم بيع الكثير منها كما تم تحويل الباقي إلى جبهات القتال لتغذية المقاتلين.

كل تلك النداءات والشكاوى لم تلتفت لها المنظمات الدولية وبرنامج الغذاء العالمي تحديدا، والمتهم أيضا بعمليات فساد كبيرة مثل تقديم شحنات غذائية فاسدة ومنتهية، وتسهيل عمليات بيع المساعدات للحوثيين، حتى أن كثيرا من الناشطين اليمنيين اتهموا البرنامج بصرف معظم الأموال التي يتلقاها في مصاريف تشغيلية لموظفيهم، بينما تقدم مساعدات لا تتجاوز 50% من القيمة الفعلية للأموال التي يتلقونها.

المساعدات النقدية تثير الخلاف !

رد الحوثيين لم يتأخر كثيرا فجاء على لسان رئيس اللجنة الثورية للجماعة “محمد علي الحوثي”، الذي أبدى “استغرابه واستياءه الشديد” من اتهام برنامج الأغذية العالمية للجماعة بالتلاعب في توزيع المساعدات، واعتبر ذلك محاولة من البرنامج الأممي للتنصل من مسؤولياته في مواجهة خطر المجاعة في اليمن، واتهم المؤسسة الأممية “بإطلاق التهم جزافا وتعميمها والتشهير والتهرب مما اتفق عليه، وكذلك شراء كميات من الغذاء الفاسد” رفضت سلطات الجماعة دخولها، بحسب ما نقلت وكالة سبأ التابعة للحوثيين.

وأشار إتهام “القيادي الحوثي” لبرنامج الغذاء العالمي إلى اتفاق سابق وغير معلن بين الجماعة والبرنامج على تحويل المساعدات إلى مبالغ مالية، وأكد “إيرفيه فيروسيل” المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي في جنيف، أن الحوثيين طالبوا البرنامج بتحويل المساعدات إلى مبالغ مالية، وأوضح أن البرنامج ينظر في إمكانية توزيع نقود على المحتاجين، شريطة إدخال نظام لتحديد الهوية بالاستدلال البيولوجي، يستخدم بيانات شخصية تشمل مسح قزحية العين وبصمات الأصابع، وهو ما ترفضه الجماعة ما اعتبره حقوقيون بأن محاولة جديدة من الجماعة للسطو على المساعدات بشكل أسهل.

ولم تكن تحقيقات برنامج الغذاء العالمي، الوحيدة التي كشفت عن نهب الحوثيين للمساعدات، صحيفة “أسوشيتد برس” الأمريكية هي الأخرى كشفت في تحقيق، أن المساعدات الغذائية المُقدمة من برنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة والمانحين الدوليين، لا تذهب معظمها إلى المحتاجين، بل تجد طريقها نحو السوق السوداء وجبهات القتال، وخلص التحقيق إلى أن مناطق مناطق وجود الحوثيين هي الأكثر توسعاً في بيع السلال الغذائية والمساعدات الدولية في السوق السوداء وتحويل السلال الغذائية لمقاتلي الجماعة في الخطوط الأمامية.

هذه التصريحات والتحقيقات، جاءت بعد سنوات طويلة من العبث الحوثي بالمساعدات الإغاثية، فبرنامج الغذاء العالمي، أكد أن لديه توثيق حي ومصور، لبيع المساعدات في السوق السوداء بمناطق سيطرة الحوثيين، وأشار إلى أن المنظمات الشريكة في مناطق الحوثيين تمارس الاحتيال، كما أن الكثير من المستحقين للمساعدات لا تصلهم حصصهم، بينما تذهب لصالح آخرين غير مستحقين من المنتمين لجماعة الحوثي.

حرب مفتوحة !

وبعد أيام من تصاعد التصريحات بين الحوثيين والمنظمة الأممية، بدأت جماعة الحوثي حربا مفتوحة على مشاريع برنامج الغذاء، حيث احتجزت السبت 5 يناير الجاري، 72 شاحنة محملة بالمساعدات في محافظة إب اليمنية، بحسب تأكيد وزير الإدارة المحلية في الحكومة الشرعية، عبدالرقيب فتح، وشن الحوثيون قصفا مدفعيا في ذات اليوم على مخزن للبرنامج ما أدى لاحتراقه شرق مدينة الحديدة.

ويستثمر الحوثيون المجاعة في اليمن، لتحقيق مكاسب سياسية، من خلال تصوير أنفسهم ضحايا لحصار غير موجود أصلا، إلا أن الموقف الدولي الضاغط نحو إيقاف معركة الحديدة بمبرر الخشية على المساعدات، قد يتغير كليا بعد التحقيقات الأخيرة وتصريح برنامج الغذاء العالمي، الذي أفاد بأن مسح هذا الشهر كشف بأن حرب اليمن والانهيار الاقتصادي الناجم عنها، جعل 15.9 مليون شخص، أي 53 في المئة من السكان، يواجهون انعدام أمن غذائي شديد وحاد، وبأن المجاعة تشكل خطرا إذا لم يُتخذ إجراء لمنعها فورا.

سفير المملكة العربية السعودية لدى اليمن، محمد آل جابر” لم يفوت المناسبة، وكشف أن بلاده والإمارات قدمت قرابة مليار ونصف المليار لمنظمات الأمم المتحدة، لتمويل الاحتياجات الإنسانية في اليمن إلا أنها لم تصرف سوى 40 بالمائة، واعتبر أن الأمم المتحدة باتت عاجزة فعليا عن توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين، وهو تصريح رأى فيه مراقبون محاولة سعودية لأخذ ضوء أخضر دولي من أجل انتزاع ميناء الحديدة من الحوثيين.

المنظمات والحوثي شركاء سرقة الغذاء

كيف نهبت المساعدات .. ولماذا ؟

وسيطر الحوثيون عمليا على كل المنظمات العاملة في المجال الإنساني والحقوقي في مناطق سلطتهم، وأصبحت تلك المنظمات لا تعمل أو تنفذ مشاريع، أو تحصل على دعم إلا بنظر الحوثيين، و بشراكة معهم، وأنشأ الحوثيون عشرات المنظمات المحلية منذ انقلابهم على السلطة، ومنحوها صلاحيات واسعة للعمل الميداني، كما قدموها للمنظمات الدولية كشريك محلي، وهي المسؤولة حاليا عن توزيع المساعدات ونهبها.

ومن هذه المؤسسات المستحدثة العاملة في ظل سلطة الحوثي، (بنان/ بنيان/ كثبان/ أسس/ جمعية الوفاء/ جيل البناء/ جيل الإبداع/ وسام الحياة/ البلد/ الصمود)، وكلها مدعومة بالدرجة الأساسية من ما يسمى الوحدة التنفيذية في كل محافظة، خصوصا الحديدة بوابة المساعدات الدولية.

ويرى “مراقبون” أن للحوثيين أهداف عديدة من وراء نهب المساعدات الإنسانية، فإلى جانب الإثراء وصناعة الثروة من وراء بيع تلك المساعدات في السوق السوداء، هناك أيضا هدف آخر يتمثل في سعيهم لتكريس الأزمة الإنسانية في اليمن، لاستمرار توظيف هذا الملف في كسب الكثير من المواقف الدولية الضاغطة على السعودية والإمارات، والتي تمنعها من العمليات العسكرية في الحديدة ومحافظات أخرى.