الحوثيون و”خمس بني هاشم”

زيد اللحجي

امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي في اليومين الماضيين بمنشورات غاضبة تداولت فيها نسخ من قانون الحوثيين الذي استأثروا فيه بخمس الثروة اليمنية، والذي جعلوه (أي الخمس) حكرا على بني هاشم دونا عن اليمنيين.

ومع أن هذا القانون لا يعدو كونه جريمة جديدة تضاف إلى جرائم الحوثيين بحق الشعب اليمني، إلا أنه للأسف الشديد يتكئ على خلفية قانونية وشرعية دينية صلبة، ليست قاصرة على الشرعية الدينية الشيعية أو الهادوية التي يسعى الحوثيون لتجذيرها كشرعية دينية أساسية للدولة اليمنية، وإنما حتى الشرعية الدينية السنية التي شرعنت لهكذا ابتزاز.

لقد استطاع علماء الشيعة عبر التاريخ استغفال علماء السنة بكثير من القضايا التي جيرت لصالح الشيعة، والتي أصبحت قضايا أساسية في الفكر السني يدافع عنها علماء السنة، وإن كان معظمها يخالف العقل الصريح، الذي أتت الديانات السماوية لتعلي من شأنه، والمعروف في علم الأصول أن النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح، وهكذا قال ابن تيمية: “كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، والنقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح”، ولكنها بقت تلك القضايا؛ ليست مخالفة للعقل الصريح فقط وإنما مخالفة للعقل الصريح، والفطرة السليمة، والمنطق القويم، بل وحتى لركائز الدين ومسلماته كالمساواة والحرية والحقوق، وغيرها، ولذلك نجد الشيعة كلما أرادوا ممارسة الظلم والجور سارعوا في الاستناد إليها كمسلمة شرعية أقرها علماء السنة.

لا نريد هنا أن ندخل في الاختلافات المذهبية، فبعض المذاهب القديمة كما يبدو كانت تعمل مشدودة لسلطة من السلطات، تتحرك معها أينما حلت مصلحتها، مثلها مثل علماء عصرنا الحاضر، الذين يجثمون عند أقدام السلطان ليملأون جرابه فتاوى وتحليلا وتحريما بقدر ملء جرابهم مالا.

الذي يهمنا هنا هم الحوثيون الذين أخرجوا هذا القانون، وفي هذا التوقيت بالذات، وكأن بني هاشم (يارحمتاه) يتضورون جوعا، أو يهيمون في الأرض بحثا عن لقمة عيش. مع أن الحقيقة غير ذلك.

فمنذ وصل الحوثيون صنعاء واستولوا على مؤسسات الدولة أصبحت البلاد بكل مواردها وثرواتها ملكا لبني هاشم، وحكرا عليهم من دون الشعب اليمني، فالجمارك والضرائب التي بلغت مواردها خلال فترة حكمهم ما لم تبلغه في كل السنوات السابقة لا يرى منها المواطن شيئا، وكلها تذهب لبني هاشم، يبنون بها الفلل الفارهة، ويؤسسون بها شركات تجارية عابرة للقارات، يحتكرون تجارتها، ويستثمرون مردوداتها، ويستعبدون بها اليمنيين.

والزكاة التي بلغت أرقاما مهولة في عهدهم؛ صارت غير محرمة على بني هاشم، وإنما هي حلال زلال عليهم، لا تستخرج إلا لهم، ولا تصرف إلا لأغنيائهم، ومن هم بربك العاملون عليها سواهم؟! والبنك المركزي لا يعمل إلا لأجلهم، وكل موارد الدولة تذهب لحساباتهم الشخصية طرف البنك، ليزدادوا غنا، ولتتدلى جيوبهم وكروشهم ووجناتهم.

وحتى المعونات الإنسانية الدولية التي تأتي لفقراء اليمنيين جيرت بقدرة قادر لأغنياء بني هاشم، فهي لا تحل إلا لهم.

ومع ذلك كله فلا يرى الموظف اليمني المسكين مرتبا إلا كل أربعة أشهر يتفضلون عليه بنصف راتب شهر، في الوقت الذي يتقاضون هم مرتبات شهرية خيالية بالملايين، وعلى مرأى ومسمع من كل الموظفين. فلماذا هذا القانون اليوم؟
في تقديري؛ يريد الحوثيون من وراء هذا القانون تكريس سلطة الحق الإلهي، والتأكيد لليمنيين أنهم إنما حكموهم بموجب عقد عهد الله لهم به من أعلى سبع سماوات، والدليل على ذلك أنه فضلهم على بقية الناس بالخمس، ومن كذب ذلك فعليه أن يرجع للمرجعيات السنية التي تجذر لهم ذلك الحق.

ومن خلال تكريس الحق الإلهي؛ يسعون إلى تكريس النظرة الدونية للشعب اليمني التي طالما كرسها أجدادهم الأئمة خلال التاريخ الطويل لحكمهم، فقد كانوا يتعاملون مع اليمنيين بأنهم عبيد و(شقاة) عند الهاشميين، وأن المال إنما هو مالهم، والثروة إنما هي ثروتهم، والسلطة إنما هي سلطتهم.

وفي الحقيقة ما كان ذلك الاستعباد ليكون من الحوثيين وفي القرن الحادي والعشرين لولا أن هنالك من دعمه وهيأ له هذه الأرضية.
فالشرعية وأحزابها استفادوا أيما استفادة من إجراءات الحوثي، ولم ولن يسعوا للقضاء عليه حفاظا على مصالحهم.

والتحالف المجرم هو أيضا استفاد أيما استفادة من إجراءات الحوثي، ولم ولن يسعى إلى القضاء عليه.

ويبقى الأمر متروك للمنتقم الجبار الذي لم ولن يرضى بالظلم والاستعباد، فما من سلطة تمادت في الظلم والاستبداد بالسلطة والثروة إلا وعجل الله لها نهايتها، وهذه سنة الله في خلقه.

ولكن بالتأكيد ليس على يد الشرعية المترفة المنتفعة من بقاء الحوثي والمتواجدة خارج البلاد، ولا على يد التحالف السعودي الإماراتي الذي يكرس بقاء الحوثي ليحافظ على مصالحه، وإنما سيقيض الله فئة وطنية خالصة ترفض الاستعباد، وتعصف بالظالمين أينما كانوا وأينما حلوا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى