الحوثيون.. وحرب النفط المقدسة!

زيد اللحجي

 

للأسبوع الرابع على التوالي يستمر المعارك بشراسة في مأرب، ويستمر الحوثيون في هجومهم المستميت من جميع الاتجاهات، في محاولة حثيثة لإسقاطها، والسيطرة على منابع النفط والغاز فيها، غير آبهين بحجم الخسائر الكبيرة التي يتكبدونها سواء في المقاتلين أو العتاد العسكري، فبحسب المراقبين فإن مئات القتلى والأسرى من الحوثيين سقطوا في مختلف الجبهات، وكثير منهم لازالت جثثهم مرمية في الصحاري والسهول والجبال دون أن يكلفوا أنفسهم نقلها معهم إلى مناطقهم، وهو ما حمل بعض قيادات الجيش الوطني يوجه نداء للصليب الأحمر بالتدخل لانتشال تلك الجثث المتحللة كعمل إنساني من الجيش الوطني.

بالتأكيد تلك الهجمة المستميتة من قبل الحوثيين ليست بالأمر المستغرب، فمعارك الحوثيين كلها تضحيات كبيرة في سبيل تحقيق نصر، أو الخروج بتصوير فلم هوليودي يتم بثه في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي يعكس شجاعتهم، ويحفز القبائل لتقديم المزيد من المقاتلين.

لكن معركة مأرب هذه المرة يبدو أنها معركة حياة أو موت بالنسبة للحوثيين، فما تمتلكه مأرب من ثروات كبيرة، تجعل لعاب الحوثيين أكثر سيلانا، وتجعلهم أكثر إصرارا على دخولها وإسقاطها، فبحسب التقارير الصادرة عن وزارة نفطهم في صنعاء فإن النفط بما فيها نفط مأرب كان يمثل 75% من إيرادات الدولة قبل كارثة وصولهم إلى صنعاء والسيطرة على الدولة، وبأكثر من 7 مليارات دولار سنويا، وأن إجمالي ما يتم نهبه من عائدات النفط والغاز حاليا في مأرب وحدها 700 مليون ريال يوميا، وتؤكد تلك التقارير أن إنتاج النفط المنهوب في أقل مستوياته يمكن أن يغطي راتب ونصف لجميع موظفي الدولة، وهذا بالتأكيد هو السر الذي جعل الحوثيين يستميتون لإسقاط مأرب. فالثروة لا شك تعمي القلوب والأبصار، وتجعل الطامعين فيها يركبون المخاطر، خاصة إذا ما كانت التضحيات الكبيرة جراء تلك المعركة يقدمها طرف آخر.

فبعد أن ذاق الحوثيون حلاوة السلطة والثروة التي سلمها لهم هادي وشركاؤه من التحالف والداعمين الدوليين في صنعاء والمحافظات، وما تبعه من قيام الجماعة بالسطو والنهب على ممتلكات الناس وتجاراتهم ومرتباتهم، كل ذلك جعلهم يتوثبون للسيطرة على منابع النفط والغاز في مأرب، ليزدادوا غنى، ولتتوسع سلطتهم، وتزداد سطوتهم.

لكن المستغرب في هذه المعركة تكمن في القدرات الخارقة التي يمتلكها الحوثيون لإقناع القبائل اليمنية بتقديم فلذات أكبادهم وبشكل دائم ومستمر للقتال في سبيل تحقيق أطماع الحوثيين، في السلطة والثروة، في الوقت الذي تتسلم تلك القبائل كل يوم من الحوثيين صناديق خاوية تحمل صور أبنائها، ولا يعلمون أكان من في الصناديق أبناؤهم حقيقة أم أنها صور وحسب، ومع ذلك يستمرون في التحشيد.

والأشد غرابة أن القبائل وهم يسوقون أبناءهم للموت في معركة الحوثي الخاسرة، يستقبلون بالتوازي أبناءهم المفصولين من وظائفهم في المؤسسات والجهات الحكومية، والتي تم تعيين أبناء الجماعة فيها بدلا عنهم، ومع ذلك تستمر القبائل في إرسال أبنائها للقتال معهم!

قد يعزو البعض ذلك الخنوع من قبل القبائل إلى تعمد الحوثيين إضفاء القداسة على معاركهم، وهو ما استخدموه في معركة مأرب، فتارة يقولون أن معركة مأرب مقدسة وأنها بتوجيهات من الله، وثانية يقولون أنهم في مواجهة مع الكفرة الأمريكيين والبريطانيين والغرب وأعوانهم من العرب، وثالثة يقولون أنهم في مواجهة مع الدواعش والإرهابيين، ويصورون لمقاتليهم حجم الجماعات الإرهابية التي استقدمتها السعودية من كل دول العالم في سوريا وأفغانستان والعراق وغيرها، وكلها مبررات دينية عقائدية تجعل من القبائل الحشد لمواجهة الكفر وأهله.

لكن معركة مأرب وهم يصورونها بأنها حرب عقائدية لم يخفون أطماعهم الاقتصادية التي يريدون الاستئثار بها من دون اليمنيين، فقد صرحت بعض القيادات الحوثية ومنهم محمد البخيتي أن هدف جماعتهم هو الحصول على نفط مأرب، فالنفط مصدر الثروة بالنسبة لجماعة ترى أن من حقها أن تعيش في رفاه، مقابل أن يموت الشعب اليمني جوعا وفقرا، وقتلا وتضحية في سبيل سيطرة الجماعة على الثروة.

لم يكتف الحوثيون بما نهبوه من ثروة جراء سيطرتهم على الدولة على مدى ستة أعوام، والتي أثروا من خلالها ثراء لم يحققه الجبابرة الطغاة على مدى عقود وقرون عبر التاريخ، لكنهم يريدون  المزيد، نفط مأرب وغازها، فمن يمتلك النفط والغاز يمتلك القوة، والقوة تفضي إلى إحكام السيطرة، واستعباد الشعب وطول أمد السلطة، وهو ما يجعلهم يكثفون من حملاتهم على مأرب، غير مبالين بالتضحيات التي يتكبدونها كل يوم وكل ساعة، طالما وأن التضحية هي من أبناء الشعب ولن يتضرر أحد من قياداتها.

إذن هي الثروة التي يبحث عنها الحوثيون جراء معركة مأرب، ولا ضير عندهم إن سحق الشعب اليمني كله على عتبات مأرب، فالمهم نفط مأرب وغازها، وسيظلون يقاتلون لأجل ذلك إلى آخر مواطن يمني.

فهل ستصحوا القبائل وتتوقف عن رمي فلذات أكبادها تحت أقدام الحوثيين؟ نأمل ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى