الحكومة وأسعار الصرف

اليمن نت -زيد اللحجي
المجال: مقالات التاريخ: ديسمبر 3, 2018

لم يعد لليمنيين والمهتمين بالشأن اليمني خلال الأيام القليلة الماضية من سيرة يخوضون فيها سوى أسعار الصرف، والهبوط الحاد الذي واجه العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني، والذي عجز حيالها الاقتصاديون والمصرفيون على إيجاد تفسيرات حقيقية لذلك التعافي السريع للريال اليمني، حتى أصبح الناس يتندرون بأن كبريات دول العالم سارعت لشراء الريال اليمني واكتنازه!.

وحقيقة لم يعد ثمة اهتمام في الداخل اليمني بقضايا الحرب أو المشاورات بقدر الاهتمام بأسعر الصرف الذي سيطرت بالكامل على اهتمامات الشعب والاقتصاديين وحتى السياسيين وتفكيرهم، فالهبوط الفظيع، والارتفاع المريب لسعر صرف الريال اليمني جعل الناس كلهم في ريبة من أمره، ويتساءلون بحيرة عن الأسباب والمسببات التي صاحبت ذلك التناقض الكبير.

ولو رجعنا قليلا إلى الوراء لوجدنا أن الفترة الانتقالية التي مثلتها حكومة باسندوة عقب الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بعلي عبد الله صالح، لوجدنا أن حكومة باسندوة استطاعت السيطرة على الأوضاع الاقتصادية، والمحافظة على استقرار سعر الصرف عند حدود 215 ريال للدولار، رغم العقبات والعراقيل التي طرحتها القوى الرافضة للتغيير، والمناهضة للحكومة الانتقالية حينذاك.

وحتى عشية تعيين حكومة بحاح خلفا لحكومة باسندوة في 2014، لم تتزحزح أسعار العملات، رغم مايعانيه الاقتصاد اليمني من تراجع، وغزى المهتمون ذلك إلى قدرة حكومة باسندوة على التعاطي مع الأوضاع الاقتصادية والسياسية دون إحداث أي تأثير يذكر على معيشة المواطنين، إلا ما كان من رفع الجرعة السعرية على المشتقات النفطية التي أقرها الرئيس هادي دون الرجوع إلى الحكومة، والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وفتحت الباب للمتربصين بحكومة باسندوة بالولوج بقوة إلى المشهد السياسي، ومن ثم السيطرة على مفاصل الدولة.

وهناك بدأ الريال اليمني بالتدحرج إلى الأسفل شيئا فشيئا، خاصة بعد انطلاق الحرب المدمرة بين الشرعية والانقلابيين، وتسابق الحوثيين على سحب الاحتياطي النقدي من البنك المركزي الذي كان يمثل الأمل الوحيد للاستقرار النسبي للعملة، بالإضافة إلى انتشار السوق السوداء التي اتخذها الحوثيون كأداة لنخر الاقتصاد اليمني، والإثراء غير المشروع للجماعة.

ولايعني ذلك أن الشرعية كانت بمنأى عن عملية تدهور العملة، فقد أسهمت بشكل ملحوظ في ذلك التدهور، وخاصة بعد طباعة الأوراق النقدية الجديدة وبكميات كبيرة دون غطاء، إلى جانب الإدارة الفاشلة للبنك المركزي بعد نقله إلى عدن، والتسليم بواقع الحال الذي رضيته الحكومة على نفسها كمتلقي للمعونات الخارجية دون تبني المعالجات الاقتصادية التي بموجبها يمكنها السيطرة على الاقتصاد والمحافظة على العملة المحلية.

وإذا كان للقرارات الخاطئة التي أصدرها البنك المركزي برفع أسعار الصرف الرسمية بالمواكبة لارتفاع سعر السوق قد أحدثت هلعا لدى أصحاب محلات الصرافة والبنوك التجارية والمضاربين بالعملة، فإن القرارت المتسارعة التي أصدرها البنك بخفض سعر الصرف الرسمية هي الأخرى أحدثت هلعا وريبة عند المضاربين بالعملة. مما جعل كثير من الاقتصاديين والمصرفيين يقفون مليا عند هذا التحسن الكبير والمفاجئ في أسعار الصرف للريال اليمني مقابل العملات الأجنبية، ولم يجدوا أي من المعالجات المالية والنقدية التي على ضوئها حصل ذلك التطور لقيمة الريال. الأمر الذي يشي أن ثمة لاعبين أساسيين هي من تتحكم في العملة ارتفاعا وانخفاضا.

والسؤال هل سيستمر هذا الهبوط في أسعار العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني؟

بحسب التقارير فإن الطلب على العملات الصعبة لتغطية فاتورة الواردات السنوية بما فيها الغذاء والدواء تتجاوز بكثير جدا الوديعة السعودية الحالية، والتي كان في الماضي يتم تغطيتها من خلال الصادرات اليمنية من النفط والغاز وغيرها، وهو ما أحدث حينا توازنا نسبيا بين أسعار العملات، ولكن بعد توقف الصادرات بشكل كلي، وافتقار البنك المركزي للعملة الأجنبية إلا من الوديعة السعودية فإن تحسن العملة المحلية الحالي يعد أمرا غير منطقي البتة.

المؤكد أن الوديعة السعودية عملت عملها السحري في ارتفاع قيمة الريال مقابل العملات الأجنبية، واستطاعت الحكومة من خلالها تسهيل حصول التجار المستوردين على الدولار بسعر البنك المركزي لتغطية فاتورة الاستيراد، بالإضافة إلى حصول الحكومة على منحة سعودية من المشتقات النفطية بمايعادل 60 مليون دولار لتغطية طلبات السوق اليمنية من المشتقات النفطية. لكن هذه المعالجات بالتأكيد تظل آنية وذات تخدير موضعي مالم تسعى الحكومة لإيجاد بدائل دائمة لرفد البنك المركزي بالنقد الأجنبي.

في تقديري أكبر عامل يمكن أن نقول عنه أنه دعم الريال اليمني في مواجهة العملات الأجنبية هو ذلك الدعم السياسي الذي تلقاه رئيس الحكومة معين عبد الملك من قبل دولتي التحالف السعودية والإمارات منذ تعيينه في منصبه، والذي كان له الأثر البارز في تحسن الريال وتعافيه، ولكن هل سيستمر ذلك الدعم؟

الحكومة السابقة التي كان يرأسها ابن دغر واجهت الكثير من العراقيل والعقبات المقصودة حد إعلان الحرب عليها من قبل الإمارات وأذرعها في عدن، وكما يبدو بموافقة سعودية، فصمتها أمام تلك الحرب على الحكومة معناه موافقتها، وهو ما أظهر الحكومة عاجزة عن عمل أي شيء في مواجهة الفشل الاقتصادي المفتعل، غير أن الوضع الآن تغير لصالح الحكومة، وعلى “عبد الملك” أن يستغل ذلك الدعم السياسي لاستعادة الدور الحقيقي للحكومة لإنعاش الاقتصاد اليمني بأهم مورد تقوم عليه الموازنة العامة للدولة والمتمثل في المشتقات النفطية استكشافا وانتاجا وتصديرا، فعليه المعول إذا ما أرادت الحكومة ديمومة التعافي الاقتصاد اليمني.