الحديدة و”غريفث” وبريطانيا

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: فبراير 19, 2019

منذ انتهاء مشاورات استوكهولم تكشفت توجهات المبعوث الأممي “غريفث” نحو دعمه اللامحدود للحوثيين، فقد كانت الفترة التي أعقبتها بمثابة هدية قيمة للحوثيين من المبعوث الأممي، استطاعوا خلالها بناء قدراتهم القتالية، وإقامة التحصينات القوية في المدينة والموانئ الثلاثة، إلى جانب استقدامهم للأسلحة الثقيلة من خارج البلاد وداخلها، والاستزادة من استقدام المقاتلين المدربين، في استعداد تام لمعركة الحديدة التي يرى فيها الحوثيون أنها ستكون الفاصلة في تاريخ وجودهم، وهو ما أعانهم على ذلك “غريفث” بشكل كبير.

ولعل أهم وأكبر إجراءات الدعم التي قدمها “غريفث” للحوثيين تمثلت في إنهاء مهمة رئيس المراقبين الأمميين السابق الجنرال الهولندي “باتريك كامرت” بعد تعيينه بأسابيع لعدم تناغمه مع توجهات “غريفث” القاضية بتوفير الدعم الكامل للحوثيين على حساب الشرعية والتحالف، وتقديم المناخات الملائمة للتمدد الحوثي في الساحل الغربي بكامله وليس في الحديدة فقط.

أحس “كامرت” حينها بمساعي المبعوث الاممي الداعمة للحوثيين، والقوة الحوثية التي يستمدونها من موقف “غريفث” فقدم استقالته، متهما الحوثيين بعرقلة الاتفاق، وأنهم يرفضون الحل السياسي، وأنهم هم من قاموا بتدمير  20 % من مخزون الحبوب في مطاحن البحر الاحمر بالحديدة، مطالبا المبعوث الأممي وسفراء الدول ال(18) الضغط على الحوثيين للقبول بتنفيذ اتفاق استوكهولم، الأمر الذي حمل “غريفث” بالاستعجال في إقالته، لئلا تكشف مخططاته الداعمه للحوثيين.

طبعا لايمكن أن يقوم “غريفث” بتنفيذ مخطط كهذا من تلقاء نفسه، فتحركات المملكة المتحدة المحمومة في الأشهر الماضية، سواء في مجلس الأمن أم في المنطقة، تؤكد أنها وراء ذلك الدعم الذي يقدمه “غريفث” للحوثيين، ولذلك رأينا جمود ملف الحديدة منذ اتفاق السويد في 13 من ديسمبر الماضي وحتى اليوم.

ولكن، مع التحولات الدولية الجديدة التي حملها مؤتمر وارسوا، وما نتج عنه من تهديدات واضحة لإيران وأذرعها في المنطقة، وتوافق دولي على الملف اليمني، والذي أسفر عن اجتماع الرباعية الدولية الخاصة باليمن الذي انعقد على هامش المؤتمر، رأينا كيف سارع المبعوث الأممي إلى اليمن في زيارة مفاجئة لصنعاء، قيل أنها تختلف عن سابقاتها، حيث تتركز هذه الزيارة في الضغط على الحوثيين بقبول مقترحات رئيس لجنة إعادة الانتشار الجديد الجنرال الدنماركي”لوليسغارد” والذي توصل إلى ضرورة تنفيذ إعادة الانتشار وفتح ممر للوصول إلى مستودعات الغذاء الأممية المخزنة في مطاحن البحر الأحمر.

زيارة “غريفث” هذه؛ خاصة وأنها الثانية خلال أسبوع؛ لم تكن بتوجياهات من الأمم المتحدة وأمينها العام، وإنما جاءت عقب تصريحات أطلقها وزير الخارجية البريطاني “جيرمي هنت” والذي لوح فيها باستئناف العمليات العسكرية في حال فشلت جهود إقناع الحوثيين بتنفيذ اتفاقات ستوكهولم.

وهنا بدت الصورة واضحة وجلية حيال أزمة الحديدة خاصة والأزمة اليمنية بعامة، فبينما حاول المبعوث الأممي خلال الفترة الماضية حجب الحقيقة عن الظهور، والتضحية من أجلها بزميله “كامرت” أضحى المحتمع الدولي اليوم على علم بأن الحوثيين هم المعرقلون الحقيقيون للسلام، كما اتضح لليمنيين بأن المبعوث الأممي وبريطانيا هم من يقفون في طريق إنهاء الأزمة اليمنية، ويعملون على إطالة أمد الحرب، دون التفات لما تسببه من كوارث على الشعب اليمني.

وتبقى معرفة المجتمع الدولي غير مجدية، إذا لم يتبعها تحرك حقيقي على الأرض لإرغام الحوثيين بالانصياع للسلام، فالحوثيون كماهو معروف عنهم غير مكترثين بأي تهديدات من أي دولة كانت مالم يلمسوها واقعا في معاركهم، ورأينا قبل ذلك كيف سارعوا للانضمام لمشاورات السويد عقب معركة الحديدة التي كاد فيها الجيش الوطني أن يجهز عليهم، وهكذا هم، يذعنون لدعوات السلام إذا ما أحسوا بأن نهايتهم أصبحت وشيكة، وما دون ذلك فلا.

في تقديري وصلت رسالة مؤتمر وارسو للحوثيين، وفهموها بشكل جدي، وسينفذون ماتتوصل إليه لجنة إعادة الانتشار الاممية، ليس لأنهم يرغبون للسلام، وينصاعون لمقررات المجتمع الدولي، فهذا مالا يلتفتون إليه، لكنهم سينفذون ذلك لكي يتفرغوا لجبهة “حجور” التي تهدد كيانهم ووجودهم معا، وهو ما يتطلب أيضا من التحالف والشرعية بإعطاء أهمية كبيرة لجبهة حجور، ودعمهم بشتى أنواع الدعم، وفك الحصار عنهم، فأولئك النفر الذين في حجور غطوا سوأة التحالف والشرعية، وحموا عرضها، فيجب أن لايتركوهم في مواجهة الموت، ويكتفون بالدعم الوهمي من خلال وسائل إعلامهم الكاذب. فقد عكست الأيام أن الحوثيين أصبح  لديهم القدرة أكثر من التحالف والشرعية في استغلال الأوقات لتحقيق مآربهم، في الوقت الذي تخلد فيه قوات التحالف والشرعية إلى النوم أثناء المشاورات او المباحثات.