الجيش الوطني بين نقمة الخارج ومؤامرة الداخل

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: يناير 15, 2019

دائما ما كان الحوثيون يتوعدون بمفاجآت تغير معادلة المعركة؛ حد قولهم؛ فوعدوا بالقوة الصاروخية، وكان أن وصلت صواريخهم البالستية إلى مدن المملكة البعيدة، كالرياض وجدة وينبع وغيرها، كما دكت بعض المدن اليمنية والمواقع العسكرية فيها، ثم وعدوا بعد ذلك بالقوة الجوية، والتي قالوا أن العام 2019 سيكون عام القوات الجوية، فأصبحت أجواء المدن الحدودية السعودية، والمدن اليمنية المحررة مسرحا للطائرات الحوثية، بل أصبحت تلك الطائرات تشكل مصدر قلق للجيش اليمني والتحالف على حد سواء، وإن لم توفق كل الطائرات كما توفقت هذه الطائرة التي استهدفت قاعدة العند التي كانت لعقود عنيدة عن الاستهداف.

لم يكن يتوقع التحالف أن طيران الحوثيين المسير يمكن أن يهدد يوما ما معاقل القوات العسكرية في الجيش الوطني، ويحدث كوارث كبيرة كتلك التي أحدثتها الطائرة المسيرة الأخيرة في قاعدة العند الجوية، ربما كان ذلك مفاجئا لهم، أو ربما كان متوقعا، بحسب بعض التسريبات عن وجود قرائن صاحبت وقوع الانفجار، لكن الذي لم يكن متوقعا بالمطلق أن الحوثيين يملكون هذه الدقة في الاستهداف.

والذي يدعو للاستغراب هو كيف استطاعت هذه الطائرة الوصول إلى تجمع الجيش وتحقيق هدفها بشكل دقيق؟ أين هي رادارات الجيش والتحالف؟ وأين هي مضادات الطيران؟ وأين هي اليقظة العسكرية؟!

ثمة قراءتين لحادثة العند، الأولى: أن الحوثيين يمتلكون تقنية حديثة فاقت تقنية التحالف، فلم تستطع راداراتهم اكتشافها، وهذا مستبعد، فالترسانة العسكرية التي يمتلكها التحالف بمقدورها اكتشاف الجرادة الطائرة؛ إن لم نقل الذبابة؛ على بعد عشرات الكيلوهات، فكيف اجتازت تلك الطائرة الحدود الملتهبة بالمعارك، وكيف مرقت من بين الرادارات دون اكتشاف، لتصل إلى منصة العرض العسكري؟

والقراءة الثانية وجود مؤامرة حيكت في الخفاء للانتقام من قيادات الجيش الوطني، وتوجيه ضربة قاصمة للشرعية، خاصة بعد التغييرات الأخيرة في قيادات الجيش، وتوجه الرئاسة بإيلاء أهمية كبيرة لإعادة الاعتبار للجيش الوطني، وإعادة تشكيله وفق أسس وطنية صرفة.

تظل القراءة الثانية هي الأقرب للحقيقة لوجود قرائن تدل عليها، الأولى: تغيب المسئولين الإماراتيين وقيادات المجلس الانتقالي عن حضور الاحتفالية العسكرية، والمعروف خلال الفترة الماضية أنه ما من حفل عسكري ولا زيارات لقيادات عسكرية رفيعة لأي معسكر في الجنوب إلا وتكون قيادة التحالف المتواجدة في عدن في مقدمة الصفوف، فكيف بهكذا زيارة رفيعة، وليس لأي قاعدة عسكرية، إنها قاعدة العند الجوية، فكيف يتغيب المندوب السامي الإماراتي أو من يمثله عن هكذا حفل عسكري؟!

الثانية:  ما تم تناقله في بعض وسائل الإعلام عن الأداة التي قتل بها رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية اللواء طماح، والتي كما يقال قتل برصاصات مسدس كاتم صوت أثناء الحادثة، فإذا ما ربطنا بين هذه الحكاية وما تم تداوله من مقطع صوتي للراحل في وسائل الإعلام الذي ينتقد فيه بعض قيادات المجلس الانتقالي، فإن احتمالية المؤامرة تبقى قائمة.

الثالثة: بالتأكيد أن الحوثيين يترقبون أي فرصة تمكنهم من النيل من قاتلي سيدهم حسين الحوثي، وهذا يعتبر بالنسبة لهم هدفا لايمكن التفريط فيه، أو التخلي عنه، مهما تكن الاتفاقيات أو المعاهدات التي أبرموها، حتى وإن كان الضامن لذلك الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، ولذلك فقد وجد الحوثيون الفرصة سانحة لهم في تحقيق هدفهم ذلك، والنيل من قاتل (سيدهم)، فاللواء (جواس) كان في مقدمة الحضور، وللنيل منه لامانع من استدعاء العلاقة التي ترعاها طهران بين الحوثيين والانتقاليين، ليحققوا بذلك نصرا جديدا كما حققوه من قبل بقتل الزعيم (صالح)، وهو ما دفعهم للإعلان مباشرة عن مقتل (جواس) عقب الحادثة، قبل أن يظهر في وسائل الإعلام لتكذيب خبر مصرعه.

ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا أن مسألة تشكيل جيش وطني قوي لن يكون بالأمر الهين، خاصة في الوضع الراهن، فالقوى الخارجية المخططة لاحتلال الجنوب أوالراغبة في فرض هيمنتها على الشمال لاتقبل أن يكون لليمن جيش وطني قوي، كما أن القوى الداخلية الراغبة في السيطرة على كرسي الحكم دون منازع في الشمال أو الجنوب لايمكن أن تحقق أطماعها في ظل وجود جيش وطني قوي، وعندها سيعمل الجميع على إفشال قيام ذلك الجيش المبني على أسس وطنية. والسنين الأربع الماضية مليئة بحوادث استهداف الجيش الوطني في الجبهات، فيما كان يسمى حينها بالضربات الخاطئة.

 وهنا تبدو أهمية تشكيل لجنة تحقيق من قيادات الجيش الوطنية التي لايربطها رابط لابالانتقالي ولا بالإماراتي ولا بالحوثي، لإظهار الحقائق لقيادات وأفراد الجيش الوطني أولا،  وللشعب اليمني ثانيا، ويكفي مداراة واستهتارا، فأرواح اليمنيين ليست للمداراة، كما أنها أيضا ليست رخيصة لاستهلاكها في المماحكات اللاإنسانية.