الجوف.. صمود واستنزاف!

 محمد اللطيفي

أثبتت معارك الجوف الأخيرة، أن مشروع التمرد على السلطة التوافقية، والانقلاب على الشرعية الدستورية، وتحكم المليشيات بالمناطق الجغرافية كبديل عن الدولة، لن يتم الصمت عليه مهما طال الزمن، وأن النضال ضد مشروع اللادولة مستمر حتى استعادة مؤسسات الدولة، هذا ما أبانت عنه بوضوح المواجهات الميدانية مع مليشيا الحوثي على حدود مأرب، ومعارك التحرير المتواصلة التي تجري في مناطق الجوف.

السنوات الأخيرة من النضال اليمني، أكدت أن اليمنيين لا يمكن أن يسمحوا بعودة العبودية الامامية، مهما بذلوا من تضحيات وقدموا من أرواح وسكبوا من دماء، فقضيتهم تتعلق بشكل مباشر بالكرامة والعيش تحت وطن يساوي بينهم، وجمهورية لا تميّز بين مواطنيها، ولذا فإن التضحيات المتواصلة في مناطق الجوف ومأرب، تتم دون منّ على اليمن ولا يأس من تقديم المزيد، يسقط الأب ثم الابن بل وأحيانا أسرة بكاملها، بتفاخر أن ذلك الموت وسام شرف من أجل العيش الكريم.

الملفت أن النضال في الجوف ومأرب، كشف عن حقيقة مهمة تتعلق بالوعي السياسي الذي تتميز به القبائل اليمنية في مأرب والجوف، وعي بأهمية التضحيات من أجل جمهورية تساوي بين اليمنيين في السيادة، على إمامة تصطفي من بينهم أسيادا وتضع بقيتهم في طابور العبودية السلالية، وهذا الوعي القبلي يتقدم بمراحل كبيرة على كثير من النخب المسيسة والتي تقدم نفسها في مقدمة المنادين بالديمقراطية والمنافحين عن الجمهورية، وأثبتت أحداث السنوات الماضية أن معظم هذه النخب مجرد ظاهرة صوتية لا تقدم في مشروع النضال من أجل بناء الدولة، بل وتؤخر وتعيق.

إلا أن معارك الجوف ومعها مأرب، بقدر من أكدت تلك الرسائل الإيجابية المطمئنة، عن أن اليمن ستنجو مستقبلا، لكن نوعية تلك التضحيات والأسماء التي تستشهد في معارك الكرامة، ترسل أيضا رسائل سلبية، يجب الانتباه لمغازيها، والتعاطي مع نتائجها بحذر وحكمة، فالخسائر التي تحدث داخل الجيش في مناطق الجوف، كبيرة بالمقياس العسكري وعظمية بالمنظور الوطني.

ففي وقت قياسي خسرت قوات الجيش (4) من قادتها البارزين، كان آخرهم العميد عبدالعزيز حنكل، قائد اللواء (110) مشاة، والذي يعد أحد وأهم صائغي خطط الانتصارات الأخيرة في الجوف، وهو ما يعني أهمية مراجعة السياسة العسكرية للجيش، والتي تعتمد على أن القادة يجب أن يكونوا في مقدمة القتال، أو يتحركوا بدون أخذ الاحتياطات الأمنية اللازمة، خصوصا وأن خصوم هؤلاء القادة الوطنيين ليس فقط مليشيا الحوثي، بل أيضا من هم حلفاء اقليميين، أو حتى من داخل الشرعية نفسها.

علينا الاعتراف أن أطرافا داخل الشرعية تتماهي مع السياسات العبثية للتحالف السعودي الإماراتي، وهذه السياسات تقوم على قاعدة استنزاف الجيش الوطني في المحافظات اليمنية التي يصعب على الرياض وأبوظبي التحكم المباشر بها، ولذا نلحظ أن السياسة السعودية في الجوف تقوم على جعل الجيش يخوض معارك مع مليشيا الحوثي دون دعم حقيقي واسناد منظم ومدروس.

ليس المطلوب هنا من القيادة العسكرية في الجوف وحتى مأرب، التوقف عن مناهضة مشروع الحوثي، أو التراجع عن تحقيق انتصارات ميدانية عليه، بل التحرك بخطط مدروسة وخطى حذرة من الأصدقاء قبل الأعداء، والحفاظ قدر المستطاع على القادة النوعيين، لأن مثل هؤلاء القادة ليس مرغوب بهم من قبل العدو الحوثي فقط، بل أيضا من الحليف اللئيم (التحالف) والصديق القريب (أجنحة في الشرعية).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى