التطبيع السعودي “العلني” مسألة وقت؟!

اليمن نت _ محمد اللطيفي
“ثمّة دول أخرى على خطى الإمارات… والسعودية مسألة وقت”، غرد كبير مستشاري وصهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جاريد كوشنر في الـ (27 أغسطس)، بعد أيام من إعلان ما سمي بـ اتفاق (التحالف الإماراتي الإسرائيلي) الذي تم في الـ (13 أغسطس)، وأضحت تغريدة كوشنر داخل تل أبيب وواشنطن بمثابة تبشير بعهد جديد، حتى أن بعض الكتاب الصهاينة وصف هذه التغريدة بكونها “وعد كوشنر”، على غرار “وعد بلفور” (نوفمبر 1917)، في إشارة لوزير خارجية بريطانيا، مع ملاحظة أن وعد الوزير البريطاني بنى وطنا لليهود في فلسطين، أما وعد المسؤول الأمريكي فقد يجعل من كل بلدان العرب أوطانا لكل اليهود.
وعندما حلقت طائرة “إلعال” الإسرائيلية فوق سماء السعودية في طريقها نحو أبوظبي (31 أغسطس)، كان كوشنر داخلها ومعه وعده، ولم تمض 24 ساعة على مرور الطائرة الاسرائيلية فوق أرض الحرمين، حتى أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودي، موافقتها فتح مجالها بشكل دائم للرحلات الجوية القادمة من تل أبيب إلى أبوظبي، وعلق وزير الخارجية السعودية بأن هذا القرار لا يعني نسيان بلاده للقضية الفلسطينية.
لقد كانت الموافقة السعودية متوقعة، لكنها كانت سريعة جدا، وأسرع من وعد كوشنر؛ الذي اعتقد أن التطبيع السعودي مسألة وقت، ولم تأخذ أكثر من أيام من إطلاق عبارته، حتى أن هذه السرعة السعودية أذهلت رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، الذي اعتبر موافقة السعودية “إنجازا عملاقا”. “لقد فتحت الرياض؛ يقول نتنياهو في بيان له، سماء اسرائيل نحو الشرق، وهذا حلم أعمل على تحقيقه منذ سنوات”، مضيفا أن السعودية افتتحت هذا الحلم من خلال “السماح للطائرات الإسرائيلية بالتحليق نحو الإمارات، ومنها إلى كل العالم”.
بالنسبة لكثير من الباحثين الإسرائيليين، فان قرار الرياض السماح الدائم بعبور الرحلات الاسرائيلية فوق أراضيها، يبدو جزءا من الحصة الملقاة على عاتقها من صفقة القرن؛ التي ولدت منها اتفاقية التحالف الإماراتي الاسرائيلي، وهي الصفقة التي صاغها ورعاها أبطالها الأربعة؛ ترامب ونتنياهو ومحمد بن زايد ومحمد بن سلمان، وقد وصفت صحيفة يديعوت اليهودية محمد بن سلمان بالشريك السري لما سمي بـ وعد كوشنر، لقد كان شريكا سريا كاملا منذ البداية؛ تقول الصحيفة، ولكن ولأسباب كثيرة مقيّدة لولي العهد السعودي، سرى الأمر على أن تكون الإمارات الأولى في طابور التطبيع العلني مع تل أبيب.
لا يعيق التطبيع الكامل والعلني مع الكيان الصهيوني، عدم قدرة ولي العهد محمد بن سلمان على إطلاق صافرة العلاقات مع تل أبيب، فلأسباب دينية، يمكنه الاستناد إلى فتوى بن باز التي سمحت بإقامة هدنة مع إسرائيل مشروطة فقط بالحاكم وفي الشؤون العسكرية، ويمكن لمحمد بن سلمان توظيفها لصالحه، لكن العقدة السعودية تكمن في أن النسخة المعدلة من التطبيع الحديث، تستلزم فتح قنوات مدنية وشعبية مع اليهود، وهو ما تقف أمامه عوائق آنية؛ منها، أن القضاء السعودي يحرم العلاقات المدنية مع اسرائيل، ومع ذلك فان السرعة التي أبدتها المملكة في تعاطيها مع بدء قطار التحالف الإماراتي مع اسرائيل، تشير إلى أن التطبيع السعودي المدني؛ وليس السياسي، مسألة وقت، وأن أحلام نتنياهو ستصبح حقائق، في ظل الهرولة العربية نحو حضن تل أبيب.
في كتابه “مكان تحت الشمس” (صدر في 1993 وترجم للعربية في 1996)، كتب بنيامين نتنياهو تصورا لعلاقة الكيان الصهيوني مع العرب، منها؛ إلغاء الصيغة التبادلية “الأرض مقابل السلام” بصيغة أحادية “السلام مقابل السلام”، ووضع خارطة تنفيذية لتحقيق ما سماها بالدولة اليهودية القوية، تبدأ ببناء المستوطنات، وتمر بالسيطرة على سماوات الدول العربية؛ عبر تطويع الدول الخليجية، ولا تنتهي عند ضم الضفة الغربية وأراضي الأردن لإسرائيل. لقد ألّف نتنياهو كتابه في البداية كسرديات لأحلام صهيونية في سياق وعود انتخابية، لكنه لم يكن يتوقع أن تتحقق أغلبها في عهده، ولا عجب أن رأيناه جذلا وفرحا بل ومندهشا، وهو يرى الأجواء السعودية تفتح دون شروط لحلم ظلّ يحمله منذ سنوات؛ حلم التحليق فوق سماء الشرق، دون أن يٌخل بمبدئه الذي صاغه في كتابه “مكان تحت الشمس”: تقديم التنازلات يجب ألا يمسّ بجوهر الأمن الإسرائيلي بأي حال من الأحوال.
لم تقدم دولة الاحتلال الاسرائيلية أي تنازلات حقيقية منذ نشأتها في (1948)، ومنذ ذلك الوقت وهذه الدولة المغتصِبة لفلسطين تحقق أحلامها بأيادٍ يفترض أنها أياد عدوة، بدءا من شعار أطلقه نظام بشار الأسد كهروب من الثورة الشعبية عليه (2011): أمن الأنظمة العربية من أمن إسرائيل، وانتهاء بالتسويق الإماراتي لحفلة التحالف العلني مع اسرائيل بكونها جزءا من المنطقة العربية، وفيما يبدو فإن “إسرائيل العربية”؛ إن جازت التسمية، ستبدأ من الرحلات الجوية والسياحة والثقافية والتعاون الأمني، وربما تنتهي ببناء معابد يهودية في السعودية، وكل شيء ممكن في ظل الشرق الأوسط الجديد، الذي تنبأ به رئيس الكيان الصهيوني الأسبق، شمعون بيريز.
وعندما صاغ شمعون بيريز كتابه “الشرق الأوسط الجديد” (1969)، قال عبارة مهمة في سياق الرد على إمكانية تحقيق هذا الشرق: “علينا أن نعتمد على الخيال أكثر من اعتمادنا على الذاكرة”، وأضحت هذه العبارة بمثابة نظرية سياسية صهيونية، وربما هذا هو سر التفوق الصهيوني على العرب، أن خيالهم أذكى من ذاكرة العرب، وبفضل هذا الخيال، العملي بالطبع، لم تعد اسرائيل “وسط بحر من الأعداء” كما هي عبارة أحد الكتاب الصهاينة، بل أصبحت بفضل الذاكرة العربية المثخنة بالخيانات، بلداً يعيش وسط بحر من أصدقاء يرغبون بالسلام ولو على حساب الأرض والعرض والشرف.
الاختلاف الحالي بين أبوظبي والرياض لم يعد حول “الأرض مقابل السلام”، بل في “الثمن” الذي سوف يدفع، يمكن فهمه من خلال تصريح تركي الفيصل، مدير المخابرات السعودي السابق، حيث قال: إذا كانت أي دولة عربية يناهزها اللّحَاق بدولة الإمارات العربية المتحدة، فيجب أن تأخذَ الثمنَ في المقابل، ولا بُدَّ أن يكون ثمناً غالياً”. بمعنى أوضح فان الرؤية الإماراتية للتطبيع بنيت على “السلام مقابل السلام”، بينما تتجه السعودية نحو الخروج من مبدأ قامت عليه مبادرة السلام العربية؛ مقايضة السلام مع الكيان الصهيوني بالحقوق والمبادئ، إلى “السلام مقابل المصالح”، مصالح كل دولة عربية على حدة، ووفق منطق التطبيع الجديد، لم تعد إسرائيل، كيانا محتلا لفلسطين، تبحث عن مكان لها تحت شمس العرب، بل قد تصبح قريبا هي الشمس التي تشرق وتغرب كل يوم على عواصم العرب، ولا عزاء للفلسطينيين، كونهم لا يستطيعون دفع الثمن؛ الغالي طبعا، وربما؛ وفق منطق المثقفين الإماراتيين والسعوديين، آن الوقت للفلسطينيين أن يبحثوا لهم عن “مكان تحت الشمس”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى