“التخبط السعودي” يعقِّد المفاوضات اليمنية ويخلق المزيد من التوتر

اليمن نت _ العربي الجديد

تحوّل اتفاق الرياض الذي ترعاه السعودية بين الحكومة اليمنية الشرعية و”المجلس الانتقالي الجنوبي” الانفصالي المدعوم إماراتياً، إلى مسرحية لا تعداد لفصولها ولا هوية لأبطالها، وبدلاً من نزع فتيل التوتر وإنهاء التمرد المسلح بالعاصمة المؤقتة عدن وجزيرة سقطرى؛ يهدد الفشل السعودي في أول اختبار سياسي، بخلق المزيد من بؤر التوتر، بدءاً من تعز جنوباً إلى المهرة في أقاصي الشرق.

ومنذ استدعاء السعودية زعماء “المجلس الانتقالي” إلى الرياض في 20 مايو/أيار الماضي، للتشاور بشأن تشكيل حكومة مشتركة بين الشرعية والانفصاليين، لا يزال مخاض المفاوضات الدائرة بفندق “الريتز كارلتون” الشهير، عسيراً ويدور في حلقة مفرغة.

لأكثر من 60 يوماً، بدت السعودية أكثر تخبطاً في مسألة تيسير المفاوضات اليمنية المعقدة، فبعد إجبارها الحكومة الشرعية على القبول بتنفيذ الشق السياسي في ما بات يعرف بـ”اتفاق الرياض 2″، والذي يضمن تشكيل حكومة مشتركة بين الشمال والجنوب وتعيين محافظ ومدير لشرطة عدن، عادت لتنسف ما تم بناؤه وتطرح نسخة ثالثة من الاتفاق.

وإضافة لفرض رجلها، معين عبد الملك كرئيس توافقي لحكومة الشراكة المرتقبة، تهدف السعودية من خلال النسخة الجديدة، لتوسيع رقعة المكونات اليمنية المشمولة باتفاق الرياض، وبناء تحالفات خاصة بها داخل إطار الشرعية، حتى لا تكون الحكومة الجديدة محصورة بين الشرعية الحالية و”المجلس الانتقالي الجنوبي”.

ولا تُعرف على وجه الدقة أسباب الإطالة في إجراء المفاوضات وتحديث الاتفاق بين فترة وأخرى. وفي هذا الإطار، قال نائب في البرلمان والمستشار الرئاسي، عبد العزيز جباري، في تصريحات صحافية أخيراً، إنّ “اتفاق الرياض هو مشروع سعودي إماراتي، وبإمكان الدولتين فرض تنفيذه حرفياً لو أرادتا ذلك”.

وما زالت الأمور عند المربع الأول في فندق “الريتز”، إذ أكد مصدر حكومي مطلع على مفاوضات الرياض لـ”العربي الجديد”، أنّ السعودية كانت قد نجحت في إقناع “المجلس الانتقالي” بتخفيض سقف مطالبه بالاستحواذ على كافة الحقائب الوزارية المخصصة للمحافظات الجنوبية، وهي 12 حقيبة، إلى 4 فقط، لكنّ الأمل الذي لاح لبرهة سرعان ما تبخر.

وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إنّ لجوء السعودية لاختراع مكونات موالية لها بالمطلق، جعل الانفصاليين يتراجعون عن موقفهم السابق، ويلجأون لاختراع مكونات وهمية تطالب بحقائب وزارية وتكون موالية لهم، مثل “المقاومة الجنوبية” التي تضم ألوية العمالقة المرابطة بالساحل الغربي، وقوات طارق صالح المرابطة بالمخا والمعروفة بـ”المقاومة الوطنية”، فضلاً عن الحزب الاشتراكي اليمني.

ووفقاً للمصدر نفسه، فإنّ السعودية كانت تريد منح “المجلس الانتقالي” وحلفائه أربع حقائب فقط من قوام حصة المحافظات الجنوبية، على أن تؤول باقي الحقائب لمكونات “مؤتمر حضرموت الجامع” و”اعتصام المهرة” و”الائتلاف الجنوبي” الذي يتزعمه الشيخ أحمد صالح العيسي ووزير الداخلية الحالي أحمد الميسري، فضلاً عن حقائب لمحافظة شبوة ومحافظة أبين ومحافظة أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى حقيبة سيادية خاصة بالرئيس عبدربه منصور هادي.

ومن المرجح أنّ “المجلس الانتقالي” لن يقبل بأقل من نصف الحقائب الجنوبية، أي 6 وزارات، خصوصاً أنه ما زال يتمسك بأهم ورقة ابتزاز للشرعية وهي “الإدارة الذاتية” التي يرفض التنازل عنها، فضلاً عن استمراره بالتصعيد في حضرموت وصولاً إلى المهرة.

ويفضّل قادة انفصاليون تشكيل حكومة حرب مصغرة حتى يتمكنوا من الاستحواذ الكامل على القرار فيها، وينظرون للمساعي السعودية الرامية لإدخال مكونات مختلفة بأنها “تفخيخ لاتفاق الرياض”، وذلك بتكديس القوى والأطراف المتسببة بالحرب شمالاً وجنوباً تحت مظلته، ما يجعله رخواً يقبل التحريف والاجتهاد.

وفي السياق، قال عضو هيئة رئاسة “المجلس الانتقالي”، سالم ثابت العولقي، في تدوينة على “تويتر” أخيراً: “لو أنّ التحالف اهتم بمقترح المجلس الانتقالي في يناير/كانون الثاني 2018، وشُكلت حكومة حرب مصغرة تهتم بالخدمات جنوباً وتحريك الجبهات شمالاً، لتغيّر الحال كثيراً”. وفي تحذير ضمني من عواقب العبث السعودي، أضاف القيادي الانفصالي: “حتى اتفاق الرياض تمّ تعطيله لمصلحة العبث… معاناة الناس قشة ستقصم ظهر التحالف ولو بعد حين وأنا لكم ناصح أمين”.

 

هندسة الشرعية بوصاية سعودية

وفقاً لمراقبين، فإنّ اتفاق الرياض هو أحد مخرجات تفاهمات غير معلنة بين الإمارات والسعودية، سيتم بموجبها هندسة “الشرعية”، وإدخال “الانتقالي” المطالب بالانفصال، ضمن حكومة الجمهورية اليمنية، والتي يسعى الانفصاليون لتفكيكها، وإدخال أطراف أخرى موالية للإمارات من حزب “المؤتمر”، وتحديداً جناح أحمد علي عبدالله صالح ضمن هذه الشرعية، في مقابل إضعاف حزب “الإصلاح” والرئيس هادي، وإن كل ذلك يتم تحت وصاية سعودية كاملة على “السلطة الشرعية”.

وفي السياق، اعتبر الباحث والمحلل السياسي اليمني، عبد الناصر المودع، أنّ اتفاق الرياض، أو أي حكومة ستنتج عنه “هما أحد مظاهر العبث والاستهتار باليمن اللذين تمارسهما السعودية والإمارات، فالحكومة التي ستشكّل ليست لها أي شرعية سياسية أو قانونية، باعتبارها حكومة مصنوعة بأيد غير يمنية”.

وقال المودع في تصريحات لـ”العربي الجديد “، إنّ كل ما يجري “يصبّ في صالح الحوثيين، إذ سيقوى موقفهم السياسي وسيظهرون كقوة وطنية تواجه عبث القوى الخارجية المتمثلة بالتحالف. ولا يهم هنا أن هذا الطرف أو ذاك قد حصل على عدد من الوزارات، أو منع خصمه من الحصول على هذا العدد أو تلك الوزارة، فالأمر في مجمله يباعد بين اليمن وعودة الدولة والاستقرار”.

ورأى الباحث اليمني أنّ اتفاق الرياض “لن يُنفذ كما هو، وخلال الفترة الزمنية التي نصّ أو سينص عليها، خصوصاً أنّ طرفاً من الأطراف المحلية لن ينفذ الشقّ الذي يضعفه أو لا ينسجم ومصالحه”. وأضاف أن “هادي والإصلاح يصران على مواقعهما الحالية ويرفضان التنازل عنها، والانتقالي متلهف للحصول على موطئ قدم داخل الشرعية، والسعودية حتى الآن لم تستخدم كل وسائل الضغط التي تتملكها لإجبار جميع الأطراف على تنفيذ الاتفاقات”.

وفي ظلّ المراوحة في دهاليز فندق “الريتز” بالرياض، تتزايد المخاوف في الداخل اليمني من مخطط سعودي لإطالة أمد المشاورات المتعثرة بهدف انتظار تبلور واقع جديد على الأرض، سواء بتفتت الشرعية بشكل أكبر لا سيما بمأرب خصوصاً مع انحسار غامض للضربات الجوية السعودية على الأهداف الحوثية، أو بتفجير معارك في ريف تعز الجنوبي وخلف بؤر توتر بحضرموت والمهرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى