التخادم الإماراتي الفرنسي القمعي في معتقل بلحاف

لا أسوأ من أن تسقط القيم والمثل الديمقراطية بفعل الشره الفرنسي إلى تحقيق المكاسب المالية، ولا أسوأ من تواصل السعودية والإمارات استلاب السيادة اليمنية منذ 2011 وحتى اليوم واستغلال ذلك في تبني ودعم سياسات تدميرية أبرز مظاهرها تحويل بؤر الحياة إلى مراكز للجرائم البشعة والانتهاكات الصارخة ضد حقوق الإنسان ووقف عجلة الإنتاج الضرورية لتحسين الظروف المعيشية لليمنيين في زمن الحرب.

هذا بالضبط ما نجحت في إنجازه ما تسمى بـ: قوات التحالف العربي بقيادة السعودية وتحت وقع التأثير الميداني الطاغي للقوات الإماراتية خصوصاً في المحافظات الجنوبية، والتي باشرت منذ سنوان في تحويل المنشآت الحيوية الإنتاجية والخدماتية إلى معتقلات للقمع والتغييب والقتل.

أكثر من أربع سنوات وسبعة أشهر، واليمينون محرمون من استخدام مطار المكلا الدولي الذي تحول إلى معتقل رهيب وإلى مركز قيادة لإدارة الخراب تحت إشراف أمريكي، وبدعوى مكافحة الإرهاب.

كان هذا المطار يفترض أن يساهم إلى حد كبير في التخفيف من الحصار الخانق الذي أبقى عشرات الآلاف منهم في المنافي وفي أوضاع مزرية عالقين لا يستطيعون العودة إلى وطنهم ولا يستطيعون مغادرته إلى الخارج لأغراض طبية واقتصادية وعلمية في معظمها.

ذلك كان أحد الأمثلة على التبجح والصلف اللذين لازما أداء الإماراتيين والسعوديين على الساحة اليمنية، أما المثال الآخر والصارخ والصادم، هو ما كشفت عنه صحيفة لوموند الفرنسية، من أن الإماراتيين حولوا منشأة بلحاف الذي تديره شركة توتال الفرنسية العملاقة، وتمثل هذه المنشأة واحدة من أكبر مصانع تسييل الغاز الطبيعي في الجزيرة والخليج، إلى معتقل سري للتعذيب والتغييب والقتل.

من ميناء بلحاف كان يفترض أن تواصل الحكومة الشرعية تصدير الغاز الطبيعي المسال، ولكن الإمارات أوقفت هذا المشروع عن العمل كما أوقفت تصدير النفط من الحقول النفطية في شبوة ومأرب، وأوعزت إلى النخبة الشبوانية مواصلة مشاغلة القوات الحكومية التي تحرس الأنبوب الناقل للغاز من حقل صافر في محافظة مأرب المجاورة، والتي تحرس أيضاً الأنابيب الناقلة للنفط من الحقول في محافظة شبوة إلى موانئ التصدير على ساحل خليج عدن.

نعم هذا ما حدث بالفعل، وللمرة الأولى يقر التحالف السعودي الإماراتي في تصريح للصحيفة ذاتها بوجود ما اعتبره “زنزانة حبس موقت”، كما لم تنف الشركة وجود هذا المعتقل، وهو أمر صادم بالنسبة لشركة تخضع للقوانين الفرنسية التي تستند بدورها إلى قيم الثورة الفرنسية العظيمة.

تتصدر فرنسا موجة الصليبية الجديدة في اوروبا، عبر رئيس نصف شعبوي تلقى تعليمه في مدرسة دينية كاثولويكية، وهي تشبه تماماً معاهد الإرشاد التي انتجت الحركة الحوثية المتطرفة، ومعهد دماج المدعوم من المخابرات السعودية، والذي أنتج الحركة السلفية الجهادية في اليمن.
\
ولهذا لاغرابة ان تظهر فرنسا على سبيل المثال، كل هذا الغضب حيال عملية عسكرية تستهدف القوات التي كانت يفترض ان تؤسس دويلة كردية معادية لسورية ولتركيا معاً، وتبقى لغماً مزروعاً في المنطقة لا تستطيع معه الحركة أو النهوض، تماماً كما هو الحال بالنسبة للكيان الصهيوني الذي زُرع في فلسطين ليقوم بالمهمة ذاتها والتي أصبحت في أيامنا هذه جزءً من التزام مشترك تنخرط فيه انظمة نفطية قمعية وتابعة للغرب وقلقة من الربيع العربي ومن وعي يتنامى لدى شعوبها فاختارت مواجهته بالقمع وبالاستقواء بالصهيانة والغرب، لا بالتفهم والاستيعاب.

بالنسبة لفضيحة بلحاف بل قل لجريمة بلحاف الإماراتية والتي تلتصق أكثر بفرنسا، يكفي أن تدعي أبوظبي بأن المعتقل الذي تديره يضم متطرفين من القاعدة وداعش، لكي تحصل على تصريح مفتوح يدعس على القيم الفرنسية والغربية، لتواصل التعبير عن عقدها المريضة تجاه كل ما هو إسلامي أو يمت للإسلام بصلة.
لكن صحيفة لوموند الفرنسية استندت إلى شهادات موثقة كشفت عن أن السجن الذي بقي حتى منتصف هذا العام كان يضم العشرات من أعضاء التجمع اليمني للإصلاح وهو حزب رئيسي في معسكر الشرعية ولأجل تجريفهم من الجنوب أقيم هذا السجن كما أقيمة سجون أخرى أكثرها بشاعة معتقل مطار الريان أو مطار المكلا ومعتقل بير أحمد شمال محافظة عدن.
تطورات الاحداث في اليمن تكشف عن مقدار الحماقة التي ارتكبتها وترتكبها الإمارات بغطاء سعودي، من خلال مقاربتها الكارثية للبيئة السياسية اليمنية والتي اختارت أن تصفيها على ما يبدو من تيارات وأحزاب سياسية مثل الإصلاح الذي يتطور سياسياً ويتحول بسرعة كبيرة إلى نموذج للأحزاب المدنية القابلة للتشكل والاندماج وفقاً للمعايير والمبادئ الديمقراطية للدولة المدنية، فيما تتحول أحزاب أخرى إلى جماعات متحمسة لممارسة القتل ولعباءات سياسية لجماعات سلفية متطرفة تنتشر في مناطق نفوذ الإمارات والسعودية، وحاولت التموضع في تعز على سبيل المثال ولكنها جوبهت بمقاومة شديدة.

وبدلاً من أن تدعم هاتان الدولتان بيئة سياسية تداولية يمكنها أن تعيد فلترة نفسها من خلال الانتخابات الحرة والنزيهة، اختارت أن تكرس قوى بديلة غاشمة وعملية وملغومة بالولاءات المناطقية والتوتر السياسي تجاه التيارات السياسية الأخرى. وهي وصفة كارثية ليس فقط على اليمن وإنما على السعودية التي تعتقد أنها ستكون بخير إذا بقي بلد تعداد سكانه أكثر من ثلاثين مليون نسمة في حالة اضطراب وصراع وفوضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى