التحالف حينما يختار أهدافه

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: يناير 21, 2019

عقب كارثة العند التي تعرض لها قادة الجيش اليمني من قبل طائرة الحوثيين المسيرة؛ وبغض النظر عن من يقف خلفها؛ إلا أنها تعد ضربة قاصمة بكل المقاييس للتحالف الذي يرى في نفسه أنه المسيطر على اليمن، أرضها وسمائها، وأنه حامي حمى الشرعية والدولة اليمنية، وطالما أشعر الشرعية مجاهرة أنه لولا مواقفه الحازمة لتمكن الحوثيون من الوصول إلى هادي وحكومته إلى غرف نومهم في فنادق الرياض، ولولا قواته المرابطة في الأرض اليمنية لالتهم الحوثيون المحافظات اليمنية واحدة تلو الأخرى.

ومن هذا المنطلق يجب أن يتحمل التحالف نتائج كارثة العند كاملة، فمسئولية حماية الأجواء هي مسئولية خالصة للتحالف، وليس للجيش اليمني دخل فيها، ومسئولية صواريخ الباتريوت هي أيضا مسئولية خالصة للتحالف، كما أن مسئولية الرادارات سواء في المطارات والمواقع العسكرية أم في المطارات المدنية هي مسئولية خالصة للتحالف، وليس للجيش اليمني أي مسئولية فيها، كونه ليس بيده التحكم والسيطرة في ذلك كله.

المسئولية الوحيدة التي ربما يتحملها الجيش اليمني هي مسئولية المواجهات البرية، فإذا ما تم الاختراق أو الانتكاس أو الهزيمة في أي جبهة من الجبهات فهو المتحمل لمسئوليتها، وحتى هذه المسئولية تبقى نسبية، فصاحب الأمر والنهي في إشعال الجبهات وإخمادها هو التحالف وليس الرئيس اليمني!.

قد يقول قائل: ماهذا التحامل على التحالف، ولماذا تحملونه كل المسئولية؟ ونقول: لنعد قليلا إلى اللحظات التي أعقبت حادثة العند، ألم يوجه الرئيس هادي بإشعال كل الجبهات في مواجهة المليشيات الحوثية؟ فما الذي تم؟ هل استطاع هادي تحريك جبهة نهم أو صرواح مثلا كرد فعل حتمي على كارثة العند؟ أم هل استطاع الجيش التحرك للانتقام لقادته الذين سقطوا بين قتيل وجريح في أعتى وأحصن قاعدة عسكرية يمتلكها الجيش الوطني؟!

لا الرئيس استطاع تحريك جبهات القتال، ولا الجيش بيده الانتقام لقادته، فالأمر والنهي لهكذا مسائل بيد التحالف وحده، ولما يستشعر التحالف الخطر المحدق به، فالخطر لا يحدق إلا باليمن وجيشها والشرعية اليمنية، أما دول التحالف فهي في منأى من ذلك الخطر، على الأقل في الوقت الراهن.

ربما شعر التحالف بنوع من الحرج، بعد تلك الاتهامات المجتمعية لضلوعه في كارثة العند، فحاول تلميع نفسه بتلك الطلعات الجوية التي قامت بها طائراته على العاصمة صنعاء مساء السبت الماضي، والتي أطلق بعدها لوسائل إعلامه العنان للحديث عن حجم الأهداف التي دمرتها تلك الطائرات، والضربات الموجعة التي مني بها الحوثيون جراءها.

ولو تأملنا تلك الأهداف التي ضربتها طائرات التحالف لرأينا أنها ذات الأهداف التي طالما أشبعتها ضربا على مدى أربع سنين، فالفرقة الأولى مدرع، وقاعدة الديلمي الجوية، ومعسكر الحفا، وجبل النهدين، على كثر الصواريخ التي استهدفتهم بها طائرات التحالف؛ باتوا يتلذذون بهكذا ضربات! أما أنهم لازالوا يحتضنون أي من الأسلحة الحوثية فهذا ضرب من الجنون.

إن استمرار استهداف هذه المعسكرات يعد غباء فادحا من قبل التحالف، فالطائرات المسيرة باتت على أكتاف مليشيات الحوثي جنبا إلى جانب مع الكلاشنكوف، ولم يعد إطلاقها يحتاج لمطارات عسكرية، فمالهم وقاعدة الديلمي التي يمطرونها بالصواريخ وهي خاوية على عروشها؟ وأما بقية المعسكرات التي يتم استهدافها كونها معسكرات تدريب فلم تعد تحتضن أيا من المليشيات، فقد حول الحوثيون بيوتهم إلى معسكرات تدريبة، يحملون مجنديهم على الاستماع لمحاضرات سيدهم، ومشاهدة (سيديهات) عن معارك التحالف الفاشلة، ثم يملأون عقولهم سموما طائفية، وجعبهم بالرصاص، وإطلاقهم نحو الجبهات. ولهذا فكل ما تحدث به ناطق التحالف، ورددته وسائل إعلامهم من أن الطائرات حققت أهدافا دقيقة فليس إلا من نسج الخيال، ومن باب ذر الرماد في العيون، أما الحوثي فكما يحافظ عليه المجتمع الدولي فالتحالف أيضا يحافظ عليه، ويحرص على سلامته وبقائه قويا معافى.

لم يبد التحالف يوما؛ منذ انطلاق الحرب؛ جدية في معركته مع الحوثيين إلا أثناء تحريره لعدن والمخا، وميدي، والبدايات الأولى لمعركة الحديدة، أما ما سوى ذلك فهو يبدو وكأنه متماهيا مع الحوثيين.

فإذا ماتجاوزنا معركة تعز التي جاهر التحالف بالتخلي عنها، فلماذا تركت جبهتا نهم وصرواح للحوثيين يظهرون عظلاتهم فيها، في الوقت الذي منع الجيش الوطني؛ الذي كاد أن يصل إلى تخوم العاصمة صنعاء ذات يوم؛ من مواصلة تقدمه من قبل التحالف، ألا يعد ذلك تماهيا من التحالف مع الحوثيين؟!

ولكن، هاهو التحالف يحاول اليوم عكس النظرة التآمرية حولة، فالأخبار الواردة من مأرب تؤكد أن ثمة حراكا محموما يقوم به نائب الرئيس وقيادة قوات التحالف مع قيادات الجيش في محاولة للبدء في مرحلة عسكرية جديدة وواسعة في جبهات نهم وصرواح والجوف وصعدة، وإن كانوا حتى اليوم لم يتفقوا على القائد الذي ستسند له قيادة المعركة هناك!

وإن كانت مواقع الشرعية الأخبارية تشير إلى أن التحالف يفرض بقوة إسناد القيادة للواء الركن طاهر العقيلي مستشار القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويبدون استعدادهم التام لدعمه بكل الإمكانيات العسكري لتحقيق الأهداف المرسومة لتحرير العاصمة صنعاء.

وهنا تكمن الدهشة، فالعقيلي الذي يصر التحالف على قيادته للمعركة اليوم كان ذات يوم رئيسا لهيئة أركان الجيش اليمني قبل استهداف موكبه بصاروخ من طائرات التحالف وهو يتفقد جبهة نهم الملتهبة حينها، والتي لم يكن التحالف راغبا في حسم معركتها، فكيف بالتحالف اليوم يفرض بقوة إسناد القيادة إليه؟!

ربما يكون وراء ذلك خيرا، وإن كان التحالف لايسره قط أن يرى وطنيا جسورا محنكا في صفوف قيادات الجيش اليمني، فقائمة الأبطال الوطنيين الذين قضوا إما بغارات خاطئة، أو تحت المؤامرة كثير!.